الاثنين 19 يناير 2026 م - 29 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

المنتفعون من الفوضى فـي مواجهة النزاهة ومكافحة الفساد

المنتفعون من الفوضى فـي مواجهة النزاهة ومكافحة الفساد
الأحد - 18 يناير 2026 08:39 ص

محمد بن سعيد الفطيسي

20


الفساد ليس شخصًا أو مؤسَّسة فقط، بل أكبر من ذلك وأخطر بكثير، إنَّه فكرة ذهنيَّة وثقافة مُجتمعيَّة. وتُعَدُّ الفوضى ـ بمختلف أشكالها الماديَّة والمعنويَّة ـ شكلًا من أشكال الممارسة الاحترافيَّة للفساد. كما أنَّ المنتفعين من هذه الفوضى هم مستثمِرون في الفساد على المدى الطويل.

من زاوية أخرى يَجِبُ التأكيد على أنَّ القوى الَّتي تحافظ على الفساد ـ ضِمن حدود معيَّنة في أيِّ مُجتمع متقدم أو يحاول ذلك ـ «هي بالضرورة القوى نفسها الَّتي بدأت بالسيطرة عليه في الأصل؛ فالقوانين والعقوبات والمواقف الفاعلة المناهضة للفساد هي نتائج التنمية الديموقراطيَّة والاقتصاديَّة بقدر ما هي أسباب لها؛ وبهذا يكُونُ للإصلاح أبعاد ثقافيَّة واجتماعيَّة مهمَّة. يَجِبُ أن تُرى القوانين والإجراءات على أنَّها تنسجم مع القِيَم الثقافيَّة ومفاهيم العدالة والسُّلطة والمشروعيَّة، وكذلك بالنسبة لردود الفعل المتوقَّعة من المواطنين».

الجدير بالذكر أنَّ الاستثمار في الفوضى لا يقتصر على الأفراد والمؤسَّسات فقط، بل حتَّى الدول نفْسها وفي كثير من الأوقات تعمل على استثمار الفوضى بهدف التربح والتكسب والحصول على الثروات والسُّلطة! ما يؤسف له أنَّ الفوضى وعدم النظام قد تتحول في بعض الأوقات إلى جزء من ثقافة المُجتمع وأُسلوب من أساليب حياتهم، ثقافة للبقاء والاستمرار، وبالتَّالي فإنَّه من الصعب بعد ذلك التمكُّن من التخلِّي عن هذه البيئة بسهولة حتَّى على الأنظمة السياسيَّة نفسها. وبمعنى آخر أنَّ استمرار قَبول الفوضى والانتفاع من الفوضى يُسهم في تعزيز مكانة الفساد في الدول إلى الدرجة الَّتي يصعب بعدها الفكاك منه.

والمتتبع للحالة الأمنيَّة في بعض الدول يجد أنَّ حال النظام السياسي بها وصل إلى مرحلة الإبقاء على الفساد والفوضى للتخلص من الضغط الَّذي تُحدثه بعض شرائح المُجتمع بسبب عجز الحكومات من إعطاء بعض الفئات حقوقهم المعيشيَّة، خصوصًا الفقراء والبسطاء، الأمر الَّذي يدفع تلك الأنظمة إلى تجاهل بعض القوانين لصالح إسكات تلك الأفواه، وإلَّا فإنَّ الحال قد يصل بها إلى الصدام معهم.

إذًا الفوضى قد تتحول إلى نظام فاسد، ولا غرابة في حقيقة الأمر من ذلك؛ فانتشار الفساد إذا تمكَّن قد يُحدِث شرخًا بالغًا في صميم ثقافة المُجتمع، ويُمكِن أن يحطِّم القِيَم والثوابت. وليست الفوضى وعدم الرغبة في النظام وكراهية القوانين سوى امتداد للفساد، والأخطر من ذلك الاستفادة من القوانين نفْسها في التربح والتنفع لدرجة تحوُّل الفوضى نفْسها إلى قانون يحكم ثقافة المُجتمع وحياتهم وتعاملاتهم وممارساتهم اليوميَّة.

زرتُ بعض الدول الَّتي استغربتُ كثيرًا من حجم الفوضى في الممارسة الحياتيَّة لدَيْهم، فوضى في المرور وحركة المَركبات، فوضى في البيع والشراء، وكأنَّ الفوضى هي جزء من ثقافة ذلك المُجتمع، جزء من الحياة اليوميَّة الَّتي تعيشها بعض الشعوب بسبب انتشار الفساد أو لأسباب أخرى! ولا أعرف بصراحة هل الفقر وكثرة عدد السكَّان مبرِّر لاستمرار الفوضى وعدم النظام؟ لا أستطيع أن أجيب بصدق عن هذا السؤال حتَّى أكُونَ منصفًا، فمَن لم يعِشْ حياة بعض الشعوب وما يكابدونه ليس من حقِّه الحُكم عليهم.

على العموم استفدتُ مِن كُلِّ ما سبق في تأكيد فكرة أنَّ الفوضى قد تتحول إلى أُسلوب حياة وممارسة يوميَّة إذا تمكَّن الفساد أو ضعفت الرقابة أو تمَّ التهاون في بعض الأساليب التنظيميَّة. ولعلَّ أكثر المستفيدين والمنتفعين من هذا النَّوع من الفوضى وأساليب الممارسة اليوميَّة هو الفساد وأعوانه في كُلِّ مُجتمع من المُجتمعات.

يُقال إنَّ شركة توريد طعام في دولة أجنبيَّة تمكَّنت من تعطيل تحقيق العدالة بسبب عقود طعام في بعض المؤسَّسات العقابيَّة، حيثُ اتضح أنَّ المساجين الَّذين انتهت فترة عقابهم يتأخر الإفراج عنهم بسبب إجراءات إداريَّة (كُلَّما زاد وقت بقاء المساجين استفادت الشركة أكثر من قِيمة وجبات الطعام)، فيبقى السَّجين يومًا أو يومين! وبعد البحث حَوْلَ الموضوع تبَيَّنَ أنَّ الشركة المورِّدة للطعام في تلك المؤسَّسة العقابيَّة مستفيدة من التأخير، ما يعني أنَّ وراء كُلِّ ذلك فسادًا إداريًّا وأشخاصًا منتفعين من انتشار الفوضى وتعطيل القوانين.

ختامًا.. مكافحة الفساد لا يُمكِن أن تتحققَ إداريًّا ولا ماليًّا في أيِّ دولة في العالم ما لم يُحارب فساد الفكر وثقافة التربح والانتفاع من الوطن ومقدَّراته وثرواته، لا يُمكِن أن تتحقق في أيِّ دولة ما لم يتمَّ التصدِّي للمنتفعين والمقتاتين من الفوضى وتجاهل النظام والقوانين، لا يُمكِن أن تَقُومَ الأوطان وفيها الراغبون في الإبقاء على الفساد والفوضى؛ لأنَّ هذه الأخيرة استثمار تجاري طويل الأمد لهم، كما لا يُمكِن للشعوب أن تتقدم وهي تمارس الفوضى والفساد في حياتهم اليوميَّة عَبْرَ ثقافة التعامل بالفوضى وعدم قَبول النظام وكراهية القانون.

حفظ الله وطننا الحبيب من شر الكائد الفاسد الحاقد، وقيَّض لعاهل عُماننا الغالية البطانة الصالحة الَّتي تُعِينه على أمْر دِينه ودنياه وخدمة هذا الوطن العزيز.. اللَّهُمَّ آمين.

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @