المشهد العربي والإقليمي يمرُّ اليوم بمرحلة دقيقة تتداخل فيها الأزمات في ظلِّ العديد من الصراعات الإقليميَّة والتجاذبات الدوليَّة. والأحداث في إيران اليوم ليست بعيدة عن هذا المشهد العاصف، الأمر الَّذي يفرض على دول مجلس التعاون الخليجي وجود مقاربة واقعيَّة ومسؤولة في قراءة المشهد تجاه الأحداث في إيران. ومع أنَّه لم يصدر من منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة أو من قِبل وزارات الخارجيَّة في دول الخليج أيُّ بيانات تتعلق بتلك الأحداث، إلَّا أنَّ هناك قناعة خليجيَّة واضحة بأنَّ الفوضى أو أيَّ تداعيات داخل إيران لن تكُونَ في مصلحة أحد، ما قد يفتح الباب نَحْوَ صراعات إقليميَّة أخرى ورُبَّما موجات لجوء، واضطرابات أمنيَّة قد تطول دول الخليج أيضًا، وهو بالضرورة ما يدعو دول الخليج إجمالًا إلى تشكيل خِطاب متوازن ورؤية سديدة في قراءة المشهد الإيراني.
تجارب السنوات الماضية أكَّدت أنَّ الفوضى لا تنتج أيَّ استقرار، وأنَّ انهيار الدول لا يفتح آفاقًا أفضل، بل غالبًا ما يَقُود إلى فراغات أمنيَّة تزيد وتُفاقم من الأزمات الإنسانيَّة وتُلقي بظلالها على الجميع، ممَّا قد يؤثِّر على تراجع فرص التنمية في إقليم لا يحتمل المزيد من التوتُّرات. ومن هنا يبرز التوَجُّه الخليجي الدَّاعي إلى تغليب منطق الاستقرار والهدوء، وهذه الرؤية لدى دول الخليج تتضح من خلال استقراء الموقف الإعلامي الخليجي تجاه تلك الأحداث.
لا شك أنَّ التحدِّي الأكبر يكمن في محاولة التغيير عَبْرَ سلوك الفوضى والتخريب، ما قد يُحدِثه أيُّ انهيار مفاجئ ـ لا قدَّر الله ـ من تداعياته على الأمن الإقليمي؛ لذا تبدو تلك القراءة الإعلاميَّة الَّتي تنحو باتِّجاه الحفاظ على الهدوء واستقرار النظام في إيران كرؤية خليجيَّة متوازنة، مع أهميَّة التنويه إلى إصلاح المسارات والتعاطي مع الملفات بالحوار، فهي أكثر جدوى وأقلُّ كلفة من تفكيك الدول ومؤسَّساتها. ولا شك أنَّ الحفاظ على الأمن والاستقرار في الإقليم يظلُّ شرطًا أساسًا لأيِّ تحوُّل إيجابي تنموي مستقبلي، وهي نظرة براجماتيَّة خليجيَّة ـ إيرانيَّة سابقة منذ اتفاق بكين على أقلّ تقدير. كما تبرز اليوم أهميَّة تعزيز العلاقات الاقتصاديَّة بَيْنَ دول الخليج وجمهوريَّة إيران الإسلاميَّة أكثر من أيِّ وقت مضى، مع الأخذ بالاعتبار رافعة الأمن الخليجي الَّذي يهمُّ دول الإقليم عمومًا.
المقاربة الخليجيَّة تجاه إيران تَقُوم على العمل لبناء تفاهمات وعلاقات متوازنة، مع تعزيز قنوات الحوار واحترام سيادة الدول؛ باعتبارها ركائز لا غنى عنها لأمن الإقليم واستقراره. فالإقليم لا يحتمل المزيد من الصراعات والمغامرات غير المحسوبة؛ لذا يصبح الاستقرار السياسي هو الخيار الأول الَّذي تعوِّل عليه دول الخليج لتعزيز الأمن والتنمية وخدمة مصالح الشعوب وصون مستقبل الإقليم، لا سِيَّما وأنَّ ضفَّتَي الخليج تُشرفان على أهمِّ الممرَّات الملاحيَّة الدوليَّة. كما أنَّ تعزيز التبادل التجاري بَيْنَ دول الخليج وإيران هو السبيل لمستقبل مزدهر ركيزته الأمن.
إنَّ بناء تحالف أمني إقليمي بَيْنَ دول الخليج وإيران هو ضرورة تفرضها المتغيِّرات الدوليَّة، وخصوصًا في ظلِّ المواقف العاصفة والتقلُّبات السياسيَّة والأمنيَّة في العالم، وهو ـ بلا شك ـ طموح تشترك فيه كُلُّ دول الإقليم، كما أنَّ اللُّغة البراجماتيَّة تفرض على دول الإقليم تشكيل تحالف أمني لمواجهة تلك العواصف الَّتي تهبُّ على دول الإقليم والعالم. وهنا ينبغي الاستفادة من تلك المعطيات والأوراق الإيجابيَّة لدى دول الخليج وإيران. ومن الأهميَّة إشراك بقيَّة دول الإقليم مثل باكستان والدول العربيَّة الأخرى في هكذا تكتُّلات أمنيَّة تفرضها الضرورات.. وأخيرًا فإنَّ تغليب لُغة الحوار في الملفات العالقة أمْر لا مفرَّ منه في سبيل تعزيز تلك العلاقات بَيْنَ دول الإقليم.. سائلين الله التوفيق والسداد.
خميس بن عبيد القطيطي