الاثنين 19 يناير 2026 م - 29 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

أصداف : د. حميدة سميسم

أصداف : د. حميدة سميسم
الأحد - 18 يناير 2026 08:31 ص

وليد الزبيدي

20


عندما يُذكر اسم الأستاذة الدكتورة حميدة سميسم، فإنَّ أجيالًا عديدة من الصحفيين والإعلاميين العراقيين يقفون لها إجلالًا واحترامًا لشخصها، ولعِلمها، ولِمَا قدَّمته من دروس وتعليم ومهنيَّة لهذه الأجيال. ومَن لم يتتلمذ على يدَيْها، فإنَّه بالتأكيد نهل من عِلمها من خلال كتابَيْها اللَّذيْنِ يُدرَّسان في كُليَّات الصحافة والإعلام في مادَّتَي «الحرب النفسيَّة» و»نظريَّة الرأي العام». يُضاف إلى ذلك محاضراتها الكثيرة في اختصاصها، وقد تتلمذ على فكرها ومعرفتها الكثير من دارسي الصحافة في العراق، وبَيْنَهم المئات من الطلبة العرب الَّذين نالوا تعليمهم في الجامعات العراقيَّة قبل عام 2003، فضلًا عن تدريسها في جامعة الشرق الأوسط في المملكة الأردنيَّة في السنوات الماضية.

وعندما شغلت الدكتورة سميسم رئاسة عمادة كُليَّة الإعلام في جامعة بغداد، كان مكتبها مختلفًا عن مكاتب عمداء الكُليَّات الأخرى؛ فبالنسبة للأساتذة ورؤساء الأقسام في الكُليَّة، هم طلابها جميعًا، إن لم يكُنِ الغالبيَّة العظمى منهم. فقد كانت دراسة الصحافة والإعلام في العراق تقتصر على قِسم الإعلام في كُليَّة الآداب بجامعة بغداد، وكانت تدريسيَّة رئيسة في القِسم، وحتَّى الأساتذة الَّذين نالوا شهادة الدكتوراه في الصحافة والإعلام، فقد درسوا البكالوريوس في بغداد؛ لذلك كان الجميع يتعامل معها من هذا المنطلق.

وفي مكتبها تجد الأساتذة والطلبة الجُدد معًا؛ فقد كانت تشجِّع المواهب الجديدة، وتعمل على صقل قدراتهم وتدريبهم، ومنحهم فرصًا جيِّدة في الصحيفة الَّتي تصدر عن قِسم الإعلام. ولم تكُنْ تقف عند هذا الحدِّ؛ فمنذ أن كانت أستاذة في قِسم الإعلام، كانت تبادر إلى إرسال هذا الطالب وتلك الطالبة إلى الصحف والإذاعة والتلفزيون لبدء الخطوة الأولى، وتتابع مع رؤساء التحرير والمسؤولين في المؤسَّسات الإعلاميَّة تدريبهم على أفضل وجْه. وبخبرتها كانت تتنبَّه للبذرة الإعلاميَّة، وترعى تلك المواهب لِتأخذَ دَوْرها وتؤدِّي مهِمَّتها في مهنة المصاعب.

أصابها ما أصاب العراقيين بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وأعرف أنَّها بذلتْ ما تستطيع لمواصلة دَوْرها في تدريس الأجيال ونقل معرفتها وتجربتها الواسعة لكُلِّ مَن يرغب بـ«الانزلاق» في هذه المهنة. لكنَّ العصف الخطير الَّذي زلزل العراق أجمعه وصلها، ورغم أنَّ الكثير من الكفاءات قد اغتيلت أو غُيِّبت، فإنَّها صبرتْ ثم تذمَّرتْ ثم صبرتْ، لكنَّ الأمور وصلت إلى ما هو أسوأ بكثير، حتَّى اضطرت إلى المغادرة. وحتَّى في غربتها، بقِيَتْ إطلالتها البهيَّة ومكنوناتها المعرفيَّة حاضرة في وجدان طلابها.

لا أستطيع تقديم إحصائيَّة بعدد الطلاب الَّذين تتلمذوا على يدَيْها وحصلوا على شهادة البكالوريوس في الصحافة، ولا حتَّى بعدد الَّذين أشرفت على أطروحاتهم في شهادَتَي الماجستير والدكتوراه. إنَّها نهر عراقي معرفي لا حدود لعطائه، وما بذرته من معرفة يفوق تصوُّر الكثيرين. ويعرف الجميع أنَّ ساحة تدريس الصحافة والإعلام واسعة، وقد يكُونُ ثمَّة كثيرون من ذوي العطاء غير المحدود في هذا البلد أو ذاك، لكن معرفتي بالأستاذة الدكتورة حميدة سميسم تُغريني بالقول إنَّها متفرِّدة. ولا بُدَّ من قول كلمة تذكير بالقامات المعرفيَّة الشاهقة في كُلِّ مكان، أولئك الَّذين بذلوا الكثير لتشييد جدران تحمي المُجتمعات الَّتي تتعرَّض لهجمات غير مسبوقة.

وليد الزبيدي

كاتب عراقي

[email protected]