الاثنين 19 يناير 2026 م - 29 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

انتصار الماضي: تفاعلات البترودولار والإسلام الجديد «4»

انتصار الماضي: تفاعلات البترودولار والإسلام الجديد «4»
الأحد - 18 يناير 2026 08:30 ص

أ.د. محمد الدعمي

20

بَيْنَما انتشرت موجة حمَّى الثوريَّة عَبْرَ أواسط القرن العشرين على أيدي الضباط (الأحرار)، ثم ضعفت بعدئذ بالإخفاقات والأزمات والهزائم التالية، حدَث ما لم يكُنْ في الحسبان؛ لأنَّ بعض حاصدي وكانزي البترودولار القبليين، الَّذين كان يُنظر إليهم بطريقة دونيَّة، أنجزوا تغيُّرًا مفهوميًّا للتقدُّم ليحلّوا هم محلَّ الضباط «الثوريين» السابقين بوصفهم تجسيدًا لشكلٍ جديد من التقدميَّة والثوريَّة. في «إقليم مفارقات» كالشرق الأوسط، حيثُ يبتاع المال كُلَّ شيء حرفيًّا، من الخبرة إلى «المونديلات» و»الأولمبيادات»، بل هو يبتاع حتَّى الثوريَّة اعتمادًا على آليَّات قانون العَرض والطلب، كسواها من السلع والبضائع. وهكذا تغيَّرت معطيات تلك الثورات من التغيير الاجتماعي والاقتصادي الجذري إلى التغيُّر السطحي «البصري» المجرَّد، لذا يستحيل التغيُّر تحوُّلًا مسطحًا يلفُّ المظاهر الخارجيَّة للأشياء. وكما كان ممكنًا استزراع ناطحات السحاب في قفار الصحراء العربيَّة، لم يكُنْ بأقلّ إمكانيَّة أن يتمَّ وضع قناع الثوريَّة الَّذي استخدم أصلًا من قِبل ضباط الجيش لتسويق أنْفُسهم أمام شعوبهم.

هذا المنطق يَسير على الفَهْم، بحقٍّ: إذا ما عنتِ الثورة دَوْرة تغيُّر كاملة في حياة المُجتمع، فلم لا يُمكِن للمال أن يثوّر المُجتمع بتجهيزه بالجديد المتوافر في أسواق اليابان والدول الصناعيَّة المتقدمة الأخرى. لقد دلَّ هذا المنطق على اعتماده قوَّة إقناع عالية بالنسبة للفئات الاجتماعيَّة الفقيرة وللعمَّال والمستخدمين الوافدين من الخارج إلى دول الخليج العربي الغنيَّة بالبترول؛ لأنَّ معايير الشرق الأوسط لقياس التقدم والثورة بقيت دائمًا مسألة «حجم» وتأثير بصري، ليست مسألة بنى وعلاقات اجتماعيَّة وسياسيَّة. من هنا نبع الاهتمام بعكس الجوانب الخلابة والمدهشة لعمارة الفولاذ والزجاج المستوردة والجاهزة، وكأنَّ التقدم فقط يقاس بالبنايات الشاهقة أو بالسيَّارات الحديثة وساعات اليد السويسريَّة. هنا تتمُّ إساءة تمثيل الثوري عَبْرَ أوهام البنى السطحيَّة كَيْ ينتهي إلى اللاجدوى. ولسُوء الطالع، تلفُّ العمارات الشاهقة المستزرعة في الصحارى مُجتمعات عالقة بحلم وسيط غارق بالقِيَم القبليَّة. وإذ يبرهن الاندفاع إلى محاكاة «النموذج» الوسيط على أنَّه أكثر وقعًا وقوَّة في أعيُن الأغلبيَّة الفقيرة المستلبة من سكَّان الإقليم، يغدو العبث مع النظرة إلى النموذج وليّه يسيرًا على سبيل الخروج بحال قوامها الفوضى الَّتي يؤديها الشبَّان الجياع السهلي الإقناع والانصياع الَّذين اعتادوا الرجوعيَّة والخنوع أصلًا بسبب أصوليَّتهم العميقة الجذور المرتكنة إلى تنشئة رجوعيَّة بواسطة الأنظمة التربويَّة القديمة وأدبيَّات الأحزاب التقليديَّة الَّتي لا تقلُّ رجوعيَّة لِتقودَهم، فرادى وجماعات، نَحْوَ السقوط في غياهب الطائفيَّة والتطرف. لذا ظهرت التمايزات والضغائن المذهبيَّة الَّتي ما فتئت تخرب كامل الإقليم وتحطِّم حاضره ومستقبله.

لو راجعنا الأحداث الجارية الآن والآيديولوجيَّات المتنافرة الَّتي تبتلع جميع أقوام الشرق الأوسط اليوم، فإنَّنا لا بُدَّ أن نصطدم باكتشاف مفاده أنَّ المحرِّك الأساس الَّذي يُدور آليَّات السياسة الإقليميَّة البَيْنِيَّة إنَّما هو صراع طائفي مؤسف، صراع مستوحى من معطيات العصر الوسيط، الَّذي يمتطي فوضى التغيُّر الإقليمي المستطيل وغير المتوقف منذ اشتعال الحرب العراقيَّة الإيرانيَّة، 1980. لا حاجة للكثير من التقشير من أجْل ملاحظة ومباشرة هذا المحرِّك الأساس: منذ سقوط نظام القذافي، إلى الحرب الأهليَّة المستمرة حتَّى اليوم بسوريا، وعَبْرَ الحراك المَدَني في دول الإقليم العربي وصدامات الجماعات المسلَّحة المخيف في سوريا ولبنان، وأخيرًا إلى أعمال العنف وعدم الاستقرار في عراق اليوم من بَيْنِ سواه من البقاع، جميعها أحداث مبعثها المحرِّك الطائفي الكامن في الماضي. في حال القائد الليبي السابق، العقيد معمر القذافي، على المرء أن يستذكر كيف حفر هو قبره بِيَدِه عندما أثار حفيظة حكومات دول الخليج المحافِظة بدعوته لإحياء «الخلافة الفاطميَّة» في سياق بعض مؤتمرات القمَّة العربيَّة الَّتي حضرها أو ترأسها. ولكن في نهاية المطاف، يبرز الشرق الأوسط من ركام خراب الرجوعيَّة والتخلف بوصفه المسرح العالمي الوحيد لأداء دراما طائفيَّة القرون الوسطى في عصر العولمة.

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي