الأحد 18 يناير 2026 م - 28 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : مسار متماسك فـي مواجهة تحديات كبرى

الأحد - 18 يناير 2026 03:30 م

رأي الوطن

10


تعكس المؤشِّرات الاقتصاديَّة الأخيرة للاقتصاد الوطني، قدرة الاقتصاد العُماني على تخطِّي التحدِّيات المتتابعة بكفاءة محسوبة، حيثُ اعتمد في سبيل تحقيق ذلك على رؤية واضحة، تمزج بَيْنَ القدرات الذاتيَّة، والنهج العلمي العالمي، وهو ما أكَّدته شهادة صندوق النقد الدولي الَّتي رصدت استمرار متانة الاقتصاد وقدرته على التعامل مع بيئة دوليَّة تتسم بعدم اليقين، وتقلب أسواق الطاقة، وتشديد الأوضاع الماليَّة، وتزايد التوترات الجيوسياسيَّة. وتأتي أهميَّة هذه الشهادة كونها صادرة عن إحدى أبرز المؤسَّسات الاقتصاديَّة العالميَّة، وتعتمد على تقييم شامل للسياسات الماليَّة والنقديَّة وأداء القِطاعات الإنتاجيَّة؛ فالتقرير يوضح أنَّ ما تحقَّق لم يكُنْ نتاج تحسُّن مؤقت في الظروف الخارجيَّة، وإنَّما نتيجة مسار منضبط في إدارة الاقتصاد الكُلِّي سمح بالحدِّ من آثار الصدمات الخارجيَّة والحفاظ على معدَّلات نُمو إيجابيَّة، وهو ما يظهر الاقتصاد العُماني كحالة قادرة على امتصاص الضغوط، وإعادة التوازن عند كُلِّ اختبار، مع الحفاظ على ثقة المؤسَّسات الدوليَّة والأسواق في سلامة المسار المالي والنقدي للدَّولة. في قلبِ هذا التماسُك، يبرز نُمو الأنشطة غير النفطيَّة بوصفه المؤشِّر الأوضح على التحوُّل البنيوي الَّذي يشهده الاقتصاد العُماني، حيثُ لم يَعُد النُّمو مرتبطًا بِدَوْرات أسعار الطاقة كما كان في السابق، لكنَّه أصبح نتاج توسُّع تدريجي في قِطاعات إنتاجيَّة وخدميَّة متنوعة. فبحسب تقرير صندوق النقد الدولي يلفت الانتباه إلى هذا التحوُّل؛ باعتباره عامل دعم رئيسًا لاستدامة النُّمو، ويؤكِّد أنَّ الأداء الاقتصادي المسجَّل خلال النصف الأول من عام 2025 يعكس نجاح السياسات الهادفة إلى توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي.. هذه القراءة تكشف أنَّ التنويع أصبح مسارًا عمليًّا يترجم إلى أرقام ونِسَب نُمو ملموسة، فتوسُّع القِطاعات غير النفطيَّة يمنح الاقتصاد مرونة أعلى في مواجهة التقلُّبات الخارجيَّة، ويحدُّ من أثَر الصدمات المرتبطة بأسواق الطاقة، كما يُعزِّز قدرة الماليَّة العامَّة على التخطيط متوسط وطويل الأجل، هنا تتضح ملامح اقتصاد يُعِيد توزيع مصادر قوَّته، ويؤسِّس لنُموٍّ أكثر توازنًا، يُراكِم أثَره بمرور الوقت، ويدعم الانتقال من إدارة المخاطر إلى توظيف الفرص ضِمن إطار تنموي أوسع. لعلَّ أكثر ما يمنح هذه المؤشِّرات الاقتصاديَّة وزنها الحقيقي يتمثل في حالة الاستقرار النقدي والمالي الَّتي تحققت بالتوازي مع مسار النُّمو، حيثُ حافظ التضخم على مستويات آمِنة ومضبوطة، بما يعكس كفاءة السياسات النقديَّة وقدرتها على موازنة متطلبات النُّمو مع ضرورات الاستقرار السعري.. هذه المعادلة لم تَكُنْ سهلة في بيئة عالميَّة تتسم بتشديد الأوضاع الماليَّة وارتفاع كلفة التمويل، غير أنَّ القِطاع المصرفي العُماني أظهر قدرةً واضحة على التكيُّف، مدعومًا بمستويات قويَّة من كفاية رأس المال، وسيولة مريحة، وتحسُّن ملحوظ في ربحيَّة البنوك وجودة الأصول. في هذا السياق يبرز الدَّوْر التنظيمي والرقابي الَّذي يضطلع به البنك المركزي العُماني بوصفه عامل ضبط أساسًا، يعمل على تحصين النظام المالي من المخاطر النظاميَّة، وتعزيز قدرته على امتصاص الصَّدمات الخارجيَّة دُونَ انتقال آثارها إلى الاقتصاد الحقيقي.. وهذه المنظومة النقديَّة المتماسكة تسهم في ترسيخ ثقة الأسواق والمؤسَّسات الدوليَّة، وتمنح صانع القرار هامش حركة أوسع في إدارة المرحلة المقبلة، حيثُ يتحول الاستقرار المالي من هدف بحدِّ ذاته إلى أداة داعمة للنُّمو المستدام والتخطيط الاقتصادي طويل الأجل. إنَّ التقدير الَّذي قدَّمه صندوق النقد الدولي لأوضاع الماليَّة العامَّة والحساب الخارجي يضع الصورة الكُليَّة للاقتصاد العُماني في إطار أكثر اتساعًا، حيثُ يُقرأ العجز المتواضع في الحساب الجاري بوصفه انعكاسًا طبيعيًّا لتقلُّبات أسعار النفط، لا كمؤشِّر اختلال في البنية الاقتصاديَّة؛ فهذا التقييم يعزز فكرة أنَّ الاقتصاد يمتلك اليوم أدوات إدارة مرنة تسمح له بالتعامل مع المتغيرات الخارجيَّة دُونَ الإخلال بتوازناته الأساسيَّة، خصوصًا مع استمرار نُمو الأنشطة غير النفطيَّة، والتدرج في زيادة الإنتاج، وتواصل الإصلاحات الهيكليَّة. على المدى المتوسط، تبدو المؤشِّرات أكثر تماسكًا مع اتساع دَوْر السياسات الهادفة إلى تطوير القِطاع المالي، وتعزيز المبادرات الرقميَّة، وربط النُّمو الاقتصادي بأهداف واضحة ضِمن إطار رؤية «عُمان 2040». في هذا السياق، يتحول التخطيط الاقتصادي من استجابة للضغوط إلى بناء منظّم لمسارات المستقبل، حيثُ تتقدم الاستدامة الماليَّة، وتتعزز الثقة في قدرة الاقتصاد على مواصلة النُّمو، مستندًا إلى مزيج متوازن من الانضباط المالي، وتوسيع القاعدة الإنتاجيَّة، وتحديث أدوات الإدارة الاقتصاديَّة بما ينسجم مع متطلبات المرحلة القادمة.