الأربعاء 14 يناير 2026 م - 24 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

رحلة الإسراء والمعراج

الثلاثاء - 13 يناير 2026 01:20 م

في هذه الأيام يحتفل المسلمون بذكرى الإسراء والمعراج شمس مشرقة تشرق كل عام لكل المسلمون في مشارق ومغاربها.. وترتقي بالمسلم الحب الدافئ والوفاء الصادق لنور المضي سيد البشرية وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، في هذه الحادثة العظيمة المباركة فرضت على المسلمين تشريعات عظيمة، ومن أهم الفرائض التي فرضها الله عبر هذه الرحلة المباركة فريضة (الصلاة) وسيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام) في السماوات العُلا، ففرضت على الرسول (صلى الله عليه وسلم) من فوق سبع سماوات، هذه الصلاة التي تؤدونها وتعرفونها، فرضها خمسين أولًا، ثم إن الله خفّف ويسّر ـ جلَّ وعلا ـ ولم يزل نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) يراجع ربه ويسأله التخفيف حتى جعلها خمسًا فضلًا منه، وإحسانًا ورحمة وشفقة بأمته في اليوم والليلة، فقد صلى سيدنا محمد (عليه أزكى وأعطر التسليم) بإخوانه الأنبياء إمامًا بجماعة واحدة في هذه الرحلة لما للصلاة من المكانة العظيمة فهي النهر المتدفق الذي يرتوي منه المسلم خمس مرات في اليوم والليلة وهي شعار المسلمين في كل زمان ومكان، وقد أوصانا (عليه الصلاة والسلام) وهو في آخر حياته عن الصلاة فقال:(الصَّلاَةَ الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، فالصلاة التي هي الصلة المباركة بين المسلم وربه، تشع نورًا في القلب المسلم وهي من أعظم فرائض أركان الإسلام، وهي بلسم للجروح وغذاء القلب، يتوجه المسلم عبر الصلاة بقلبٍ خاشعٍ منيبٍ يناجي رب الأرض والسماوات، والصلاة أيضًا أمان للمسلم من الهموم والأحزان، فهي ملجأه الأول في كل أمور حياته، وليس في هذه الدنيا شيئ أعظم وأجمل من هذه الفريضة المباركة، فهي الحصن الحصين في كل زمان ومكان. فأنت ـ أيها المسلم ـ في الصلاة في ضيافة الرحمن الرحيم، فكل يوم وليلة تقرع باب الملك العظيم، ومن يقرع هذا باب الملك العزيز يفتح له ويفرح الله بعبده وهو يقف على بابه يناجيه، فعن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول في ذلك هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقي من درنه شيئًا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا) (أخرجه البخاري)، فالصلاة في كل ركن من أركانها وأحكامها ومواعيدها وشروطها نور مضيء لكل المسلمين بما تحمل من نظام في مواعيد وقتها، ويظهر الجمال العظيم عند وقوف المصلين في صف واحد وفق نظام إلهي، معاني وأواصر تجمع المسلمون في هذه الشعيرة العظيمة في بيوت الله المباركة يجمعهم حب الله عبر الصلاة بداية يوم المسلم بأداء الصلاة وينتهي يومه بصلاة مفروضة عليه يفتتحها بتكبير الله، ويختمها بالتسليم، قال الله تعالى:(وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة 45 ـ 46)، فبالصلاة تهدأ النفوس وتكفر الذنوب والمعاصي الصلاة حب لله ولذة ما بعدها لذة ومناجاة تبعدك الصلاة ذات الجوارح الخاشعة عن لذائذ الدنيا الفانية وتبحر بك عبر سفينة الأخرة الخالدة، وإذا أردت الخير والبركة والرزق في حياتك فعليك بالصلاة (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه ـ 132).

وأنت تعيش أيها المسلم في رحاب الصلاة مع إخوانك دخلت على رب الأرض والسماوات كل خيرات وخزان الله عنده كل الأمر بيده بتدبر المصلي في صلاته قرآنًا، يناجي مولاه ويخشع كل أعضاءه لربه في تضرعه ومناجاته قال الله تعالى:(قَدْ أَفْلَحَ ?لْمُؤْمِنُونَ، ?لَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـاشِعُونَ، وَ?لَّذِينَ هُمْ عَنِ ?للَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون 1 ـ 2)، وقال تعالى:(وَ?لَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَواتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُوآلَـئِكَ هُمُ ?لْوَارِثُونَ، ?لَّذِينَ يَرِثُونَ ?لْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ) (المؤمنون 9 ـ 11)، وقد جاءت السنة الشريفة بالعديد من الأحاديث التي تبين فضائل الصلاة، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أَلا أدُلُّكُمْ علَى ما يَمْحُو اللَّهُ به الخَطايا، ويَرْفَعُ به الدَّرَجاتِ؟ قالُوا بَلَى يا رَسولَ اللهِ، قالَ: إسْباغُ الوُضُوءِ علَى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(يَتَعاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بالنَّهارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ العَصْرِ وصَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وهو أعْلَمُ بكُمْ، فيَقولُ: كيفَ تَرَكْتُمْ عِبادِي؟ فيَقولونَ: تَرَكْناهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتَيْناهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ). وبرحمة الله وكرمه وفضله جعل الله سبحانه وتعالى هذه الشعيرة تشريفًا وتكريمًا للمسلم، حيث يجمعنا الله في رحاب بيوته خمس مرات في اليوم والليلة، وليست هذه الصلاة تكليفًا إنما رحمة عظيمة من الرحمن الرحيم للمسلم، نتدبر في كل صلاة ما يوجهنا الله ويصلح أحوالنا دنيانا وآخرتنا، فالصلاة نهر مبارك فياض يتدفق عبر حياتنا عطاء مبارك ونعمة ما بعدها نعمة يرزقها عباده المصلون الخاشعون. أخي المسلم.. يا من تيسرت لك الأمور فالغنيمة الغنيمة من قبل أن يهاجمك المرض أو ترحل من الدنيا تزود من هذا النبع الذي لا ينضب ولا ينقطع في اليوم والليلة.. إنها معين من الأجور والثواب والحسنات والخيرات والبركات، فهنيئًا لمن عرف منزلة الصلاة وهو المحافظين والسباقين إلى بيوت الله في المحافظة عليها في جماعة مراعيًا كل شروطها وأحكامها وأدعو كل من يتهاون أو يقصّر في أداء الصلاة في جماعة أن يحافظ محافظة تامة على هذه الشريعة الغراء في جماعة مع اخوانه وكذلك على كل المسلمين أن لا يتغافلوا عن السنن والنوافل وقيام الليل وسنة الضحى وتكون الصلاة هي أول اهتماماتنا في هذه الحياة لننال رضا الرحمن والفوز برحمة الله بجنان الخلد. وتبقى رحلة الإسراء والمعراج مدى الحياة رسالة مشرقة مضيئة سطعت في أجواء الأمة الإسلامية، فرسمت معالم الطريق الواضحة، ورحلة الإسراء المباركة جاءت نورًا مباركًا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بعد المعاناة والأوضاع المؤلمة التي عاشها ـ عليه أفضل وأزكى التسليم ـ إلى حالة يعم فيها الخير والحب والنصر لنبي الأمة، وكانت هذه الرحلة ليلية لما في الليل من الهدوء والنفحات الربانية التي ترفع وترتقي فيها النفوس، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو يسلك أنوار هذه الرحلة ويتتبع هذه الرحلة أنوار إلهية يهتدي بها في مسيرته بعناية الرحمن إلى رضوان الله عبر هذه الرحلة العظيمة.

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري 

 كاتب عماني