الأربعاء 14 يناير 2026 م - 24 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

رجب التمام والإتمام «3»

الثلاثاء - 13 يناير 2026 01:13 م

أيها الأحباب.. ولا يزال الحديث موصولًا عن رجب التمام في ذاته، والإتمام لغيره فيه، ومن المزيد فيما فضله ما ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأحداث العظيمة التي ارتبطت برجب، حادثة الإسراء والمعراج، التي قال فيها الله تعالى:(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (الإسراء ـ 1). وعلى القول المشهور أن هذه الحادثة كانت في رجب، فهي محطة تمام وإتمام، إذ أُسري بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليُرى من آيات ربه الكبرى، وليُفرض عليه وعلى أمته الصلاة، التي هي عمود الدين، وفي السيرة أيضًا نجد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعظّم الأشهر الحرم، ويجعلها مواسم للتربية الروحية، حتى في سياق الغزوات والجهاد، غزوة تبوك أو غيرها مما ارتبط بهذا الشهر، حيث كان يراعي حرمة الزمن إلا أن يُعتدى على المسلمين، التمام والإتمام من القيم القرآنية الكبرى، قال تعالى:(اليَومَ أُكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَليكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُم الإسلامَ دِينًا) (المائدة ـ 3)، فهذه الآية تُظهر أن الدين قائم على التمام والإتمام، فلا نقص فيه ولا خلل، وفي العبادات نجد هذا المعنى حاضرًا، ففي الصلاة:(أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي: أتمّوها بشروطها وأركانها، وفي الصيام:(ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة ـ 187)، وفي الحج:(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (البقرة ـ 196)، فالتمام والإتمام ليسا مجرد ألفاظ، بل هما منهج حياة، يربط بين الزمن والعبادة، فرجب ليس غاية بل وسيلة للتمام والإتمام، وبين رجب كزمن، والدين كمنهج، كيف جسّد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معنى التمام والإتمام في العبادة من أداء للصلاة ليلًا ونهارًا ومتعلقاتها من السنن والرواتب، والجهاد النفسي كالإخلاص والذكر وتلاوة القرآن وأذكار الصباح والمساء والأدب ومكارم الأخلاق والمحبة فيما بينه وبين الناس، فرجب بارقة الأمل لتدارك ما فات، والتحلي بالصبر والرضا، فسلاح المؤمن في رجب التقوى وفعل الخيرات والكف عن المنكرات والتذكير بالموت، وأداء الزكاة المفروضة وبذل الجهد في الزكاة التطوعية من الصدقات وأعمال، بل والقيام بأكثر من ذلك ألا وهو زكاة الأعضاء باب ذم الكبر باب ذم الغيبة والنميمة، فرجب يعلّم المسلم أن الزمن مقدّس بالانضباط الزمني في الصلاة والصيام والزكاة، وأن التزامه بالعبادة في وقتها جزء من التمام، والإخلاص في العمل. والإتمام يعني أن لا يترك المسلم عمله ناقصًا، بل يُكمله بالإخلاص والوفاء بالعهد، والصدقة وفعل المعروف وبر والوالدين، والتزين بالحلم والصفح عن عثرات الإخوان، والازدياد من الكرم والإكرام عموماً وعلى الخصوص إكرام الجار، الزهد والقناعة والتوكل، فرجب محطة لتجديد العهد مع الله والترغيب في العمل الصالح، استعدادًا لرمضان، كما قال تعالى:(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ) (النحل ـ 91). والتربية الروحية بأنّ رجب يذكّر المسلم أن التمام ليس في الشكل فقط، بل في الجوهر، في القلب والنية، ومن أجمل ما جاء في إتمام الأعمال في رجب من تمام، ما جاء في كتاب (آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني 22/‏‏53): (واعلموا أنَّ شهرَكم هذا شهرٌ حرام، تُضاعَف فيه الأعمالُ، فعليكم بالصلاة فرضًا ونفلًا. وعليكم بالصيام، فإنه جُنَّة من النار. وعليكم بالصدقة، فإنَّها حجابٌ من أسواء الدنيا والآخرة. وإيَّاكم والغيبةَ والنميمةَ، والكذبَ والتفحشَ، والحسدَ والحقدَ، والغدرَ والخيانةَ والخداعَ، والعُجبَ والكِبرَ والخيلاءَ والرياءَ، والشتمَ والظلمَ، والحبَّ والبغض في غير الله. وعليكم العفةَ والنزاهةَ والإخلاصَ، والرفقَ والعفوَ والإصلاح؛ فإنَّ هذا رجب، وبعده شعبان، وبعده رمضان: مواسمُ طاعات ومغانمُ خيرات. فطوبى لمن وفَّقه اللهُ لرضوانه، وبُؤسَى لمن أُركِسَ في خسرانه).

ولا يفوتني أن أنبه أن ما ذكرته من قبل إنما هو من الترغيب في عمل الخير الاستزادة منه، ولم يرد في ‌فضل ‌رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه، فاللهم تقبل منا وبلغنا جنتك وأدخلنا حماك، واجعلنا من أهل حماك.

د.محمود عدلي الشريف 

[email protected]