الأربعاء 14 يناير 2026 م - 24 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

الديمة الوطفاء فـي تفسير بعض مرائي الإسراء «2»

الثلاثاء - 13 يناير 2026 01:11 م

4- أمَّا المرئيَّة الرابعة فتتَّصل بالربا، وخُطورِته على المجتمع الإنساني، وليس فقط المجتمع الإسلامي، وآثاره السيِّئة على أفراد الأمَّة، وتماسُكِ البنيانِ؛ حيث رأى الرسولُ الكريمُ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ رجلًا يسبَحُ في نهرٍ من دمٍ، يُلقَمُ الحجارة، فلمَّا سأل جبريل ـ عليه السلام ـ قال: آكِلُ الربا، وقد شبَّهَهُ الله تعالى في محكم التنزيل بقوله:(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة ـ 275).

ومعلوم أن المجتمع يتكون من مجموعة أفراد، إذا صَلَحُوا صَلَحَ مجتمعُهُمْ، وإذا فَسَدُوا فَسَدَ المجتمع كلُّه، تتعلَّق المرئيَّة الأولى بجريمة الزنا، والثانية بدور الكلمة، وأثرها على الفرد، ومجتمعه، وتتَّصل الثالثة بقضايا أخلاقيَّة؛ كالهمز، واللمز، والسخرية، واحتقار الفرد لأخيه، وتنفرد الرابعة بالشَّخص الفاحش البَذِيء، وخَطره على مَن حوله.

ثانيًا ـ المرئيات ذات الأثر الفردي، وننظر الآن في المرئيات الفردية:

1 ـ ونبدأ بالمرئيَّة الأولى التي يقومُ بها فُرادَى الناس في المجتمع، حيث يعبَثُون فيها بأعراض النساء، فَتُخَرَّبُ البيوتُ، ويأتي أولادٌ لا يُعْرَف آباؤُهم، ويَكثُرُ في المجتمع اللُّقَطَاءُ الذي يُكلِّفون الدُّوَل أموالًا طائلة، وجُهُودًا مُضنِية لدَرْء مَفاسِدهم، والقيام على تعليمهم، والنهوض بمصالحهم، وتحقيق متطلَّباتهم؛ فقد رأى الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قومًا بين أيديهم لَحْمٌ نضيجٌ في قُدور(مَطْهِيٌّ، ومُجَهَّز للأكل)، ولحم نِيءٌ في قُدورٍ أيضًا(لم ينضجْ بَعْدُ)، فجعلوا يأكلون من ذلك النِّيِّء الخبيث، ويدَعُون النَّضِيجَ الطَّيِّبَ، فلمَّا سأل الرسول عن تفسير تلك المرئيَّة أجابَه جبريل ـ عليه السلام ـ بقوله: “هذا الرجل مِنْ أمَّتِكَ تكون عنده المرأة، تقومُ من عند زوجها حَلَالًا طَيِّبًا، فتأتي رجلًا خبيثًا، فتبيتُ عنده حتى تصبح”.

2 ـ والمرئية الثانية تتعلَّق بأثَر الكلمة، ودورها في المجتمع المسلم، وأنَّ على القائمين بأمْر النصح، والإرشاد، والتعليم أنْ يتَّقوا اللهَ فيما يقولون، وأنْ يكونوا صورةً صادقةً لما تتفوَّه به ألسِنَتُهُمْ، وألا يكونوا خُطَباءَ فتنةٍ، يُفرِّقُون بين الكلمة، والسُّلوك، ويقولون ما لا يفعلون، أقوالُهم في وَادٍ وأفعالُهُمْ في وَادٍ آخَرَ، فيُفقِدونَ الناسَ مصداقيَّة القولَ، ويضربونَ صِدْقيَّتهم في قُلوبهم، إنَّ الرسول رأى أناسًا تُقرَضُ ألسنتُهم، وشِفاهُهُمْ بِمَقاريضَ من حديد، ونار، كلَّما قُرِضَتْ عَادَتْ كما كانتْ لا يُفَتَّرُ عنهم من ذلك شيءٌ، فاستفسر، فأبان له جبريل ـ عليه السلام: “أنهم خُطَباء الفتنة من أمَّتك، يقولون ما لا يفعلون”، فيجب على الدعاة والمربين أن يعوا ذلك جيدا، وألا يخالف سلوكهم قولهم، وأن يرى الناس منهم صدقا في السلوك، ونقاء في التعامل، وتقوى في كل شيء، وأن يكونوا قدوة صادقة لكل من حولهم؛ حتى لا يؤذوا دينهم بالفصل بين الكلمة، والسلوك، ويضعوا نُصْبَ أعينِهِم قوله تعالى:” إنَّ أكرمَكم عند الله أتقاكم”، وأن يكونوا مُثُلًا عُلْيَا لكل مَنْ حولهم، ومَنْ يعاملهم.

3 ـ أمَّا المرئيَّة الثالثة فتتَّصل بالهَمْزِ، واللَّمْزِ، والاغتياب، وكذا السخرية من الناس في الغدوِّ، والرواح، والمساء والصباح؛ حيث رأى الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وسلَّم: “أقوامًا يُقطَعُ اللحمُ من جُنُوبهِمْ، فيُلقَمُونَهُ، فيُقال لهم: كُلْ كَمَا كُنْتُ تأكُلُ لَحْمَ أَخِيكَ”، وفَسَّرَها جبريل ـ عليه السلام ـ للرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بأنَّ هؤلاء هم الْهَمَّازُونَ من أمَّتك، اللَّمَّازُونَ للنَّاسِ”، حيث لم يكنْ يَسلَمُ منهم أحدٌ لا كبيرًا، ولا صغيرًا، ولا رجلًا، ولا امرأةً في خُروجه، ودُخوله، لا يسلم من ألسنَتِهِمْ التي تَلِغُ فيهم، وتأكل في أعراضهم، ويُبِيحُونَ لأنفسهم الخوضَ في أعراضِ الْأُسَرِ، وَحِلِّ اغتيابِهم، والطعنِ في طهارتهم، وتدنيسِ حُرُمَاتِهِمْ، وقد تَوَعَّدَتْ سورةٌ كاملة من سور القرآن الكريم أمثالَ هؤلاءِ، بسوء عَواقِبِهم، ونهاياتهم السيِّئة، الخطيرة، وهي سورة الهُمَزَة، حيث بُدِئَتْ بالوعيد، والتهديد، والويل، والثبور، والهلاك لكلِّ مَنْ تُسوِّل له نفسُه هَمْزَ الناسِ، ولَمْزِهِمْ، وأنَّ الفاعلين لتلك الآثامِ سوف يُطْرَحُونَ في الحُطَمَةِ، وهي جهنَّمُ التي تُحطِّمُ عِظامَهم، وتُذِيبُ جُلُودَهُمْ، وهي نارُ الله الموقدة التي تطَّلع على الأفئدة، وهي عليهم مُؤصَدَة، وهم فيها في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ:(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (الهمزة ـ 1)، وقد كان الأخنسُ بنُ شريق كثيرَ الوَقِيعةِ في الناس، يلمزهم، ويعيبهم مُقبِلين، ومُدبِرين فاستَحقَّ ذلك العِقابَ، ولكنَّ العِبرةَ بِعُمُومِ اللفظِ لا بِخُصوصِ السببِ، وبناء فُعَلة (هُمَزة، لُمَزة) يدلُّ على أنها أمْسَتْ لهم عادةً مستمرَّة، وسُلوكًا مُتكرِّرًا، وهو بناءٌ من أبنية المبالغة، التي تعني حصول الأمر، وتكراره كثيرًا.

إنَّ الشخص الذي يُطلِق لسانه: شتمًا، وعَيْبًا في أطهار الناس، ويطلق عينيه هنا، وهناك، وهنالك: سخرية، ولمزًا في الخلق ـ إنما هو شخصٌ مَهِينٌ على الناس، مَهِينٌ عند الله؛ لأنَّ أقدارَ الناسِ لا بُدَّ أنْ تُحْفَظ، وحُرُمَاتِهِم لا بُدَّ أن تُصَانَ، ومَنْ يترخَّص في ذلك من الناس: كبيرًا أو صغيرًا، رجلًا كان أم امرأة ـ فهو ذو اعتقادٍ دينيٍّ مَهْزُوز، وصلته بالله مضطربةٌ، ولا بُدَّ أنْ ينال عِقابَه في الدنيا، والآخِرة، نحنُ نريد مجتمعًا نظيفًا، لا اغتيابَ فيه، ولا ارتيابَ، ولا شتمَ فيه، ولا إهانةَ، ولا سقطاتِ لسانٍ، نريد مجتمعًا محترمًا، يُقدِّر الناس فيه بعضُهم بعضًا، لا يَلُوغُ أحدٌ فيه في عرض أخيه، ولا يَذكُر أخاهُ إلا بالذِّكر الحَسَنِ، قال تعالى:(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) (الحجرات ـ 12)، إنَّ التقيَّ الوَرِعَ من المسلمين لا يقتربُ من لفظٍ يُؤثِّمُ، ولا قولٍ يُغضِبُ الله ـ جلَّ جلالُه ـ ويعيش عفيفَ اللسان، طاهرَ الجنان.

4 ـ وأمَّا المرئيَّة الرابعة فتتعلَّق بالهَزَرِ مِنَ الكَلام، وعَدَمِ تعويدِ اللسان الكلامَ الْحَسَنَ، فنحن نَجِدُ أناسًا يَسْتَسْهِلُونَ المِزَاحَ، يَسْتَحِلُُّونَهُ، ولو كان كذبًا، ويتعوَّدون النكاتِ لإضحاكِ الناس، ولو بالباطل، والكذب، حتى إنهم يكتبون على مسرحية تعرض(لن تسكت عن الضحك، فيها ثلاثمائة وخمسون ضحكة)، وينسون أن الاغتياب، والسخرية كفيلة بتحطيم الساخر المغتاب في نار جهنم الموقدة التي تطلع على الأفئدة، وتكون عليهم مؤصدة بشدة حرها، وحرقها، لا تفتح أبوابها ،فيتهرب اللهيب، وتخفُّ حِدَّتُهُ، أو يقلُّ غليانُها، وإنما هي عليهم مؤصدة، وهم مقيَّدون في عَمَدٍ ضخمةٍ مُمَدَّدَةٍ، لا يمكنهم الفِكَاكُ منها، ولا الفرارُ عنها، ولو كان ذلك على حِساب الدِّين، والقِيَم، فيأتون بالرديء من الكلمات، والخسيس من الألفاظ، والتعابير المضحكة، ثم يندمون، ويَتَمَنًّوْنَ أنْ لو لم يقولوها، فقد رأى الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وسلَّم: “جُحْرًا ضيّقًا، أو ثُقْبًا صغيرًا يخرُج منه ثورٌ عظيمٌ، فجعل الثور يريدُ أنْ يرجعَ من حيث يخرجُ، فلا يستطيعُ”، وفَسَّرَهُ جبريلُ ـ عليه السلام ـ بقوله: “هذا الرجل من أمَّتكَ يتكلَّمُ الكلمةَ العظيمةَ، ثم يندمُ عليها، فلا يستطيع أنْ يَرُدَّهَا”.

نعم، إنَّ الكلمة الفاحشة تبيِّن صِغَرَ عقلِ قائلِها، وتَكشِف عن طبيعةِ مَرْبَاهُ، وكُنْهِ بِيئَتِهِ، وإنَّ اللَّفظة البَذِيئة تخرُجُ كريهةَ الرائحة، فظيعةَ المنظرِ، باهتةَ الوجهِ، كالحةَ الْمُحَيَّا، غيرَ أنَّ أثَرَها مُدمِّرٌ، ومردودُها مُحْبِطٌ، وهؤلاء المترخِّصون الذين يُلْقُونَ بالكلام على عَواهِنه، دون توقُّف فيه، أو دون رَوِيَّةٍ، ودُونَ نَظَرٍ، إنما هم أناس لا وزنَ لهم، ولا قيمة لهم في شَرْعِنَا الحنيفِ، ودِينِنَا القويمِ، وفي الحديث: (رُبَّ كلمةٍ يلقيها المرءً، لا يدري لها بَالًا يَهْوِي بها في النارِ سبعين خريفًا)، ورُبَّ صمتٍ خيرٌ من الكلام، ورُبَّ إشارةٍ أبلغُ من عبارة، وقد أرشد الرسول العظيم الأمَّة إلى خُطورة الكلمةِ، وضَرورة التأنِّي في قولها، وعدمِ تركِ اللسانِ يضرب في أيِّ مكانٍ بقوله الشريف: (أمسِكْ عليك لسانَك)، و(هل يَكُبُّ الناسَ على مَنَاخِرِهِمْ في النار إلا حَصَائِدُ ألسِنَتِهِمْ)، فلا مجال للترخص في الاغتياب، والسخرية، والهَمْزِ، واللَّمْزِ.

حقًّا، إنَّ المجتمعَ إذا تأمَّل في تلك المرئيَّات، وعايَشها كلُّ فَرْدٍ فيه معايشة صادقة، والتزم الجميع معها بالخلُقِ القويم، وَوَقَفَ على خُطورة الزنا، وبَشاعة الهمْز، وفَداحة اللمْز، وخُطورةِ تَدَنِّي القولِ، فابتعد عنه، وحَذَّرَ الناسَ منه - لَأَمْسَى مجتمعُ المسلمين خيرَ المجتمعاتِ، وأنبلَها، وأزكاها، وأقواها، وأرقاها، وأطهرها؛ ومن ثَمَّ نراه مجتمعًا قويًّا، يُشار إليه بالبَنانِ، وهو مُوَطَّدُ الأركانِ، تُحْتَرَمُ فيه حُقَوقُ الإنسان، ويُخشَى فيه عِقابُ الرحمن، ويُعمَلُ فيه ألف حساب إلى لهيبِ، وعذابِ النيران.

اللهم، اجعَلْ مجتمعاتِ المسلمينَ خيرَ المجتمعاتِ، واجعلْ أبناءَها من أفضلِ الأبناءِ، يا سميعَ الدعاءِ، ومجيبَ الرجاءِ، ويا ملبي النداء، يا رب الأرض، والسماء.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]