الأربعاء 14 يناير 2026 م - 24 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : بناء مجتمع الصناعة فـي مواجهة تراكمات تسريح الكفاءات والباحثين عن عمل

في العمق : بناء مجتمع الصناعة فـي مواجهة تراكمات تسريح الكفاءات والباحثين عن عمل
الثلاثاء - 13 يناير 2026 08:00 ص

د.رجب بن علي العويسي

300


ينطلق طرحنا للموضوع من القناعة بأنَّ توطين الصناعة وتعزيز اقتصاد الصناعة العُمانيَّة والمنتج المحلِّي، ورفع سقف مساهمة الصناعة في الناتج المحلِّي يُمثِّل اليوم خيارًا استراتيجيًّا وطنيًّا؛ نظرًا لارتباطه بعُمق المُشْكلة الوطنيَّة المتمثلة في ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل والمسرَّحِين من القِطاع الخاص، ومفهوم العرض والطلب في سوق العمل المحلِّي، وموقع القِطاع الخاص من المنظومة الاقتصاديَّة، والصورة غير المريحة الَّتي باتَ يسقطها في ثقافة مدخلاته من مخرجات الدبلوم العام والتعليم والعالي على حدٍّ سواء. وتصبح الصناعة الطريق الآمن ـ رغم المخاطر المترتبة عليه ـ لاقتصاد مستدام ومتنوع، تسهم في تحريك الماء الراكد عَبْرَ ما تثيره من فرص التجدُّد في الكفاءة الوطنيَّة ومهاراتها، والتنوع في الخيارات والبدائل المطروحة، وضمان التكيُّف مع احتياجات المواطن العُماني وأولويَّاته.

وتُشير المؤشِّرات الاقتصاديَّة إلى أنَّ مساهمة القِطاع الصناعي في الناتج المحلِّي الإجمالي قد بلغت بحلول منتصف عام 2024 نَحْوَ (4.09) مليار ريال عُماني، أي ما نسبته حوالي (19.5%) من إجمالي الناتج المحلِّي بالأسعار الجارية، وهو ما يعكس موقع الصناعة كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني غير النفطي، وركيزة أساسيَّة في احتواء الموارد البشريَّة والماديَّة. كما أسهَمت الصناعات التحويليَّة وحدها بما يقارب (2.19) مليار ريال عُماني، أي ما يعادل حوالي (10.5%) من الناتج المحلِّي في منتصف عام 2024، مقارنة بنسبة لم تتجاوز (8%) في عام 2020، في مؤشِّر واضح على نُمو قوي للقِطاع التحويلي.

ويعكس هذا النُّمو المتسارع أثر السياسات الحكوميَّة المرتبطة بالخطَّة الخمسيَّة العاشرة (2021–2025)، وسياسات رؤية «عُمان 2040» في توسيع قاعدة القِطاع غير النفطي، وتعزيز الصناعات التحويليَّة ذات القِيمة المضافة؛ باعتبارها المحرِّك الأهم لتوليد فرص العمل واستيعاب الكفاءات الوطنيَّة. فبناء اقتصاد قوي قادر على تحقيق التحوُّل المنشود يستلزم التوجُّه الجادَّ نَحْوَ المصانع، ومجالات التصنيع والصناعات التحويليَّة؛ نظرًا لِمَا تُحققه من قِيمة مضافة في استيعاب وتوظيف وتشغيل آلاف المواطنين من ذوي المهارة وشِبه المهارة، وتوجيه الاستثمارات المحليَّة والأجنبيَّة نَحْوَ قِطاعات إنتاجيَّة أكثر استدامة من القِطاعات ضعيفة الأثر.

ولا يقتصر الحديث عن تعزيز دَوْر الصناعة في صناعة المستقبل على كونها ركيزة لاقتصاد متنوع ومستدام، ويتكيف مع احتياجات الإنسان وأولويَّاته ويُعزِّز من فرص التنويع في الاقتصاد الوطني فحسب، بل لِمَا تُحققه من أمن اقتصادي يتجسد في وجود مُجتمع صناعي يعتمد على نفْسه، ويستفيد من موارده، ويُعزِّز من ريادة الأعمال وإدارة المشاريع الصناعيَّة، ويدعم دَوْر المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة في الاستثمار بالصناعات التحويليَّة. وتبرز أهميَّة ذلك في ظلِّ ارتفاع حصَّة الأنشطة غير النفطيَّة في الاقتصاد المحلِّي، والَّتي بلغت نَحْوَ (72.8%) من الناتج المحلِّي خلال عام 2024، وهو ما يعكس تحوُّلًا هيكليًّا تدريجيًّا في بنية الاقتصاد الوطني.

وفي هذا الشَّأن، تبرز المُدُن والمناطق الصناعيَّة كحاضنات رئيسة لهذا التحوُّل، إذ تجاوز إجمالي حجم الاستثمارات المتراكمة في المُدُن الصناعيَّة أكثر من (7.6) مليار ريال عُماني بنهايَّة النصف الأول من عام 2024، فيما بلغ عدد العقود الاستثماريَّة المحليَّة أكثر من (2,300) عقد، ويعمل في هذه المُدُن ما يزيد على (55,000) موظف، وهو ما يعكس قدرتها المتنامية على استيعاب القوى العاملة الوطنيَّة وتوليد فرص تشغيل حقيقيَّة ومستدامة في المحافظات.

كما يُشكِّل الاستثمار الأجنبي المباشر أحد الممكنات الرئيسة لتعزيز اقتصاد الصناعة، حيثُ وصلت قِيمة الاستثمارات الأجنبيَّة المباشرة في سلطنة عُمان إلى حوالي (30.1) مليار ريال عُماني، تُمثِّل نَحْوَ (11.1%) من الناتج المحلِّي، مع تسجيل زيادة تقارب (18%) خلال عام 2024 والأهم من ذلك أنَّ الاستثمار الأجنبي في القِطاع الصناعي شهد نُموًّا لافتًا، إذ ارتفعت الاستثمارات الأجنبيَّة في قِطاع التصنيع بنسبة تقارب (51.9%) حتَّى نهاية عام 2024، وتركزت في مجالات الطاقة، والتعدين، والكيماويَّات، والصناعات اللوجستيَّة، وهي قِطاعات ذات ارتباط مباشر بسلاسل الإنتاج والقِيمة المضافة.

غير أنَّ تحقيق معادلة القوَّة في الصناعة التحويليَّة لا يكتمل دُونَ معالجة الحلقة الأضعف في هذه المنظومة، والمتمثلة في المورد البشري، ما يطرح سؤالًا جوهريًّا: إلى أيِّ مدى يتلقى المورد البشري على مختلف المستويات التعليميَّة والتدريبيَّة جرعات كافية تؤهِّله للاندماج الفاعل في اقتصاد الصناعة؟ وهو ما يستدعي مواءمة جهود التوسُّع في المُدُن الصناعيَّة مع جهود بناء المواطن مهاريًّا، وتعزيز المهارات الناعمة والتقنيَّة الَّتي يتطلبها سوق العمل الصناعي. كما يتطلب الأمر توطين الصناعات التحويليَّة عَبْرَ إعادة تدوير المواد الخام داخليًّا، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعظيم دَوْرها في تشغيل المواطنين واستيعاب مخرجات التعليم المختلفة، وتؤكِّد هذه المؤشِّرات مُجتمعة الحاجة إلى سياسات وطنيَّة أكثر احترافيَّة وذكاءً في توظيف فرص ارتفاع الإيرادات النفطيَّة في دعم التحوُّل الصناعي، وسداد الالتزامات الماليَّة، وفي الوقت نفسه خلق فرص عمل مستدامة للشَّباب العُماني عَبْرَ تعظيم الاستثمار في الصناعات التحويليَّة، الخفيفة والثقيلة وإعادة إنتاجها.

بالإضافة إلى إعادة تقييم مسار الاستثمار الأجنبي ومدى قدرته على تحقيق التحوُّل ورفع كفاءة سوق العمل، ما يؤكد على أهميَّة الانتقال بالاستثمار من الأبراج إلى بناء المصانع ومن التطوير العقاري إلى الإنتاج الصناعي أو على الأقل، أن تتوازى عمليَّة إنشاء المُدُن العقاريَّة مع التوسُّع في إنشاء المصانع وبيئات الإنتاج؛ نظرًا للأثر الاقتصادي والاجتماعي العميق الَّذي تُحققه المصانع في بناء منظومة إنتاجيَّة منتجة للوظائف المستدامة، وقادرة على استيعاب الواقع الوطني وخلق فرص إنتاج متعددة، وتوفير آلاف الوظائف للباحثين عن عمل، وتوطين الكفاءات الوطنيَّة الماهرة الَّتي تتطلبها عمليَّات الإنتاج بما يُعزِّز من الاكتفاء الذَّاتي، ويوفِّر فرصًا أوسع لاستيعاب المسرَّحِين والباحثين عن عمل، وعَبْرَ إيجاد مُجتمع صناعي ومواطن يحترف الصناعة متمكن يسهم في تنشيط حركة الصناعة في المُدُن الصناعيَّة ويُعِيد هيكلة منتجاتها الصناعيَّة لتغطية الطلب عليها من السوق المحليَّة والعالميَّة على حدِّ سواء وارتباطها بشراكات إقليميَّة ودوليَّة تَضْمن تحقيق استدامة وتنوُّع في العائد الاستثماري وعَبْرَ إدارة مؤسَّسيَّة ذكيَّة متكاملة، تتسع عناصر الإنتاج فيها، بحسب تنوُّع وتعدُّد قِطاعات الدَّولة المعنيَّة بهذه البيئات، وحضور قوي للمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة في رسم خريطتها الإنتاجيَّة، تحقيق مستويات عُلْيا من التوازن في الأنشطة ذات القِيمة المضافة والاحتياج المُجتمعي من الصناعات التحويليَّة والأنشطة النوعيَّة المتخصصة مثل: أنشطة الأمن الغذائي.

وبالتَّالي الذَّكاء الاستثماري في توجيه عوائد الاستثمار الأجنبي نَحْوَ التدريب والتأهيل، وتمكين المخرجات الوطنيَّة من حمَلة ما قَبل الدبلوم العام وحمَلة الدبلوم العام والكليَّات المهنيَّة والتقنيَّة والتعليم العالي في القِطاعات الواعدة والتخصصيَّة، بما يَضْمن امتلاكها مهارات وأدوات الإنتاج لتنفيذ مشاريعها المستقبليَّة، وذلك من خلال إلزام الاستثمارات الأجنبيَّة بمسؤوليَّتها في تدريب وتأهيل العُمانيين ضِمن التخصُّصات الَّتي تعمل فيها تلك الشركات. ويُعزِّز هذا التوجُّه من حضور الصناعات التحويليَّة، ويرفع قدرة السوق المحلِّي على تحقيق الاكتفاء الذَّاتي، عَبْرَ توطين الصناعات التحويليَّة الَّتي تُشكِّل اليوم أحد أهمِّ أعمدة الصناعة وإعادة إنتاج المواد الخام كالحديد والبلاستيك والأخشاب والورق والأقمشة والأمن الغذائي وغيرها، بحيثُ يقوم الشَّباب العُماني على إدارتها وتشغيلها وتنظيم سلاسل الإنتاج فيها، بما يؤدِّي إلى استيعاب أعداد كبيرة من الباحثين عن عمل، والاستفادة من خبرات المسرَّحِين من أعمالهم، والتوجُّه نَحْوَ قِطاعات إنتاج أكثر استدامة وابتكاريَّة في تشغيل القوى العاملة الوطنيَّة، والاستفادة من الاستثمار الأجنبي في صناعة التحوُّل القادم الَّذي يُعِيد تصحيح المسار ومراجعة نتائجه.

أخيرًا فإنَّ بناء مُجتمع صناعي عُماني متقن لممارسة الصناعة كأُسلوب حياة ومنهج عمل لم يَعُد خيارًا تكميليًّا، بل ضرورة وطنيَّة تفرضها تحدِّيات التوظيف والتنويع الاقتصادي. ويتطلب ذلك ذكاءً استثماريًّا في توجيه عوائد الاستثمار الأجنبي نَحْوَ التدريب والتأهيل، وإلزام الشركات الأجنبيَّة بِدَوْر فاعل في نقل المعرفة وبناء القدرات الوطنيَّة، بما يُعزِّز من حضور الصناعات التحويليَّة، ويرفع من قدرة السوق المحلِّي على الاكتفاء الذَّاتي، ويَضْمن احتواءً متوازنًا للكفاءة العُمانيَّة، وحسمًا تدريجيًّا لتحدِّيات التوظيف والتشغيل والتسريح الَّتي باتت تُلقي بظلالها على المشهد الوطني.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]