الأربعاء 14 يناير 2026 م - 24 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

القرآن الكريم وفن الدبلوماسية بروتوكول وإتيكيت لغة الجسد «2»

القرآن الكريم وفن الدبلوماسية بروتوكول وإتيكيت لغة الجسد «2»
الثلاثاء - 13 يناير 2026 07:01 ص

د. سعدون بن حسين الحمداني

10


تطرَّقنا بالمقال السابق حَوْلَ بعض أجزاء الجسم وأهميَّتها في لُغة الجسد، وأنَّها رسائل ذات معانٍ كثيرة، وهي وسيلة غير لفظيَّة تُعَبِّر عن المشاعر والنيَّات والمواقف عَبْرَ مفردات الجسد المختلفة، سواء في بيئة العمل أو بالأحرى بأجندة الإتيكيت الحكومي أو بالحياة الشخصيَّة اليوميَّة. وهذا ما نلاحظه من خلال تعابير الوجْه والعَيْن بعيدًا عن التفوُّه بحرفٍ واحد، وغالبًا تكُونُ أصدَقَ من الكلام.

تُقسَّم لُغة الجسد إلى عدَّة أقسام:

 الفطريَّة: وهي الحركات والإيماءات الَّتي تصدر عن جسم الإنسان والَّتي تولد معه ولم تتغيَّرْ بتغيُّر ثقافته مثل الهند وهزّ الرأس والمشاعر والضحك والبكاء والدَّهشة.

 المتعلمة: كُلُّ ما يتعلم الإنسان من حركات عن طريق التدريب أو من خلال القراءات، مثال ذلك لُغة الإشارة أو أساليب الإلقاء والخطابة.

 المكتسبة: هي الحركات والإيماءات الَّتي يكتسبها على امتداد حياته داخل العائلة أو محيطه مثل التحيَّة والترحيب، مثال طريقة التحيَّة بالسودان تختلف عن الخليج وعن أوروبا.

 الواضحة: يُمكِن لأيِّ شخص قراءة ومعرفة مدلولاتها، وتشمل حركات الأيدي والأرجل والعيون والوجْه كتعابير الخجل واحمرار الوجْه.

 المخادعة: وهي الَّتي لا تُمثِّل الحقيقة وتعابير مزيَّفة، ويزيد غموضها كُلَّما كان الإنسان متمرسًا فيها كالمُجرِمين أو بكاء التماسيح، وخصوصًا الأوساط السياسيَّة والإعلاميَّة والممثِّلين، وهذا يستلزم مهارة عالية في التحليل والحِرفيَّة.

 الإيجابيَّة: كُلُّ الانفعالات الَّتي من شأنها تجذب الآخرين، ثقة بالنفْس، مَحبَّة الناس، التسويق، العلاقات العامَّة.

 السلبيَّة: الإيماءات والحركات السلبيَّة الَّتي تنفِّر الآخرين أو تستفزُّهم وتُثير حفيظتهم على مستوى الأُسرة أو المُجتمع.

 الإراديَّة: هي الإيماءات الَّتي تدخل ضِمن التحكم بها من قِبل الشخص مثل الامتناع عن الأكل والسَّلام والتوديع.

 اللاإراديَّة: وهي نوعان، الأولى بيولوجيَّة مثل توسُّع حدقة العين، والثانية لا إراديَّة مثل تعبيرات الوجْه بالحزن والفرح وهزهزة الأرجل أو فرقعة الاأصابع.

تُعرف بعض المدارس الدبلوماسية لُغة الجسد بأنَّها الفنُّ الَّذي يدرس هذه الحركات غير لفظيَّة ويُحلِّلها ويترجمها لمعرفة كاريزما الشخص أو الزائر، معتمدًا على أبعاد وتغييرات وتعبيرات الوجْه، العيون، الحواجب، الإيماء بالأيدي والأصابع، الذراعين والساقين، الجلوس، المساحة الشخصيَّة بَيْنَ الأشخاص، المشي، نبرات الصوت، المصافحة وغيرها.

تطرَّق القرآن الكريم في عدَّة آيات قرآنيَّة أيضًا حَوْلَ دلالات ورسائل لُغة الجسد، ونعرِّج الآن إلى أجزاء اليد وكذلك العين والكلام (اللسان) والتفوُّه بمفردات الجُمل؛ ففي حركة اليد ومعانيها نقرأ الآية الكريمة: «يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ» (19ـ البقرة) وهي دلالة الخوف والحذر. أمَّا في استخدام الإبهام أو السبَّابة وأهميَّتها قال تعالى: «فأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» آية (29ـ مريم). أمَّا هذه الآية الكريمة: «قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا» (آية 10 ـ مريم)، فقمَّة في لُغة الجسد ونظريَّاته؛ لِمَا لها من دلائل كبيرة على المعنى.. فحبس سيِّدنا زكريا لسانه وبقي ثلاث ليالٍ يكلم الناس بعِلم الإشارة ومعاني العين وتعابير الوجْه، وهدوء النفْس، وراحة وطمأنينة القلب؛ لِمَا أتاه الله سبحانه وتعالى من مكارم وفضل.

وفي العين ومعانيها ودلالاتها قال تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ» آية (84 ـ سورة يوسف)؛ لِتعطيَ دلالة على شدَّة الحزن وفراق يوسف عن أبيه وابيضَّت أي فقَدَ البصر. ومن الجانب الآخر نرى دمع العين له دلالة فرح كبير وتَمنٍّ بالخير قال تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أعْيُنَهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ..» (آية 83 ـ سورة المائدة).

انبثقت المدارس والمعاهد الدبلوماسيَّة بعد عصر النهضة في نهايات القرن الخامس عشر لِتبدأَ وتؤسِّس النظريَّات الحديثة في فنِّ الدبلوماسيَّة، وجميع فروعه مستوحاة من القرآن الكريم، وكانت المدرسة الفرنسيَّة هي من أُولى المدارس الَّتي أسَّست وطوَّرت فنَّ الدبلوماسيَّة، لِتأتيَ بَعدها المدرسة الإنجليزيَّة.

في الختام قال رسولنا الكريم ـ صلَّى الله وعليه وسلَّم ـ: (مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقُلْ خيرًا أو ليصمُتْ)، والَّتي لها معانٍ كثيرة، من حُسن النطق، والمعرفة بالأمور، وعدم التكلم بما ليس لك به عِلم، ولا تجعل لسانك يتكلم بأُمور تجلب لك الندامة، والصَّمت هو أعلى مراحل الصبر.

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت