يأتي إنشاء مركز عُمان المالي العالمي بوصفه لحظة انتقال محسوبة في مسار الدَّولة الاقتصاديَّة، لحظة تُعَبِّر عن خروج هادئ من منطق إدارة الاستقرار إلى منطق صناعة الدَّوْر، بعد سنوات من العمل الصامت على إعادة ضبط الماليَّة العامَّة، وتحسين التصنيف الائتماني، وبناء ثقة متراكمة مع الأسواق والمؤسَّسات الدوليَّة. ويأتي قرار إنشاء المركز ترجمة سياسيَّة واقتصاديَّة لاقتناع راسخ بأنَّ الاستقرار حين يترسَّخ يتحوَّل من حالة دفاعيَّة إلى منصَّة انطلاق، فالدوَل الَّتي تكتفي بحماية توازنها الداخلي تظلُّ أسيرة رد الفعل، أمَّا الدوَل الَّتي تستثمر هذا التوازن فتبدأ في تشكيل موقعها داخل النظام المالي العالمي، ويبدو المركز تعبيرًا عن نضج في إدارة التحوُّل، وعن وعي بأنَّ اللَّحظة الدّوليَّة المضطربة تفتح فرصًا لِمَن يمتلك الهدوء، والقدرة على التخطيط طويل الأجل، وبنية مؤسَّسيَّة قابلة للثقة.. هكذا يتحوَّل الاقتصاد من ملف إدارة أزمات إلى أداة تموضع استراتيجي، وتتحوَّل عُمان من متلقٍّ لحركة رأس المال إلى صانع لمساره ضِمن قواعد واضحة ورؤية ممتدَّة.
ويكتسب التحوُّل الجديد معناه الكامل عند النظر إلى البنية التشريعيَّة والحوكميَّة الَّتي يَقُوم عليها مركز عُمان المالي العالمي، حيثُ اختارت الدَّولة أنْ تضعَ الثقة في صدارة التصميم المؤسَّسي قَبل أيِّ حديث عن الحوافز أو الأرقام، فاعتماد إطار قانوني وقضائي مستقلٍّ قائم على مبادئ القانون العام الإنجليزي يوجِّه رسالة مباشرة للأسواق العالميَّة مفادها أنَّ البيئة الاستثماريَّة في عُمان تُبْنى على قواعد مألوفة للمؤسَّسات الماليَّة الدّوليَّة، وقابلة للاختبار والمساءلة.. ويتكامل ذلك مع نموذج حوكمة واضح يفصل بَيْنَ الإدارة والتنظيم وحسم المنازعات، بما يُقلِّل تداخل الصلاحيَّات ويرفع كفاءة اتِّخاذ القرار، ويمنح المستثمِر شعورًا بأنَّ المخاطر محسوبة ومحدودة داخل منظومة مؤسَّسيَّة منضبطة، وهو ما يهدف إلى تأسيس كيان يعمل بذات المعايير الَّتي تحكم المراكز الماليَّة الكبرى، مع الاحتفاظ بمرجعيَّة سياديَّة واضحة تَضْمن الاستقرار والاستمراريَّة. وبهذا المعنى، تتحوَّل الحوكمة من إطار تنظيمي جامد إلى أداة تنافسيَّة فاعلة، وتتحوَّل الاستقلاليَّة التشريعيَّة إلى عنصر طمأنة طويل الأمد يُعزِّز الثقة ويختصر المسافة بَيْنَ القرار الاستثماري والتنفيذ الفعلي.
وتتعمق دلالات المشروع الوليد عند النظر إليه في سياقه الجغرافي والاقتصادي الأوسع، حيثُ يجمع مركز عُمان المالي العالمي بَيْنَ الموقع، والحوافز، والدَّوْر السياسي في معادلة واحدة متماسكة؛ فاختيار مدينة العرفان واجهة رئيسة للمركز لا يحمل بُعدًا عمرانيًّا فقط، وإنَّما يعكس توجُّهًا لربط التخطيط الحضري بالوظيفة الاقتصاديَّة الحديثة، وتحويل الفضاء المَدَني إلى منصَّة جذب استثماري متكاملة، ويأتي ذلك متسقًا مع موقع عُمان الجغرافي بوصفه نقطة التقاء طبيعيَّة بَيْنَ أسواق آسيا وإفريقيا وأوروبا، في لحظة عالميَّة تُعِيد فيها رؤوس الأموال حساباتها بعيدًا عن مناطق التوتُّر وعدم اليقين. وضِمن هذا الإطار تُقرأ الحوافز الضريبيَّة طويلة الأجل كجزء من سياسة بناء ثقة ممتدَّة، تستهدف المستثمر الاستراتيجي لا المضارب العابر، وتؤسِّس لعلاقة مستقرَّة بَيْنَ الدَّولة ورأس المال، ما يتجاوز المركز كونه كيانًا ماليًّا لِيغدوَ أداة من أدوات الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة، تُعزِّز حضور عُمان في شبكات المال العالميَّة بهدوء السوق، لا بضجيج الشعارات.
إنَّ إنشاء مركز عُمان المالي العالمي يندرج ضِمن نهج أوسع في إدارة الدَّولة، نهج يَقُوده حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ بعقليَّة بناء المؤسَّسات، حيثُ تتقدَّم القرارات بخُطًى محسوبة، ويترك للتنفيذ أنْ يختبرَ الأفكار على الأرض لا في الخِطاب، فالتحدِّي الحقيقي لا يبدأ مع صدور المراسيم ولا مع الإعلان عن الحوافز، وإنَّما مع مرحلة التشغيل، وبناء السمعة الدوليَّة، وقدرة المركز على استقطاب الكفاءات والشركات النوعيَّة، وتكوين شراكات عابرة للحدود تمنحه وزنًا فعليًّا داخل شبكة المال العالميَّة.. عند هذه النقطة يُقاس الفَرق بَيْنَ كيان أُنشئ ليكُونَ عنوانًا، وآخر بُني لِيصبحَ لاعبًا. ويبدو الرهان العُماني واضحًا ومباشرًا. فالمركز يشقُّ مساره الخاص اعتمادًا على الاستقرار، والوضوح التشريعي، والثقة المتبادلة بَيْنَ الدَّولة والمستثمر، ونجاح التجربة هنا لا يُختزل في أرقام عامها الأوَّل، وإنَّما في قدرتها على ترسيخ حضور دائم لعُمان داخل الخريطة الماليَّة العالميَّة، بوصفها دولة تعرف متى تتحرك، وكيف تتحرك، ولماذا تختار هذا التوقيت بالذَّات؟