أصدر جهاز الرقابة الماليَّة والإداريَّة للدَّولة مشكورًا القرار رقم (115/2025) بإنشاء المديريَّة العامَّة للنزاهة ومكافحة الفساد، وذلك ضِمن جهود الجهاز المستمرة في تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، وتأكيدًا على التزامه بِدَوْره الرقابي، وسعيه المتواصل إلى تطوير هيكله التنظيمي بما يواكب المتطلبات الوطنيَّة ويعزز الثقة في مؤسَّسات الدَّولة؛ كما يأتي إنشاء هذه المديريَّة انسجامًا مع التوجُّهات الوطنيَّة الرامية إلى تعزيز مبادئ النزاهة والشفافيَّة ومكافحة الفساد، وترسيخ قِيَم المساءلة والحوكمة الرشيدة.
وقد جاءت مهام هذه المديريَّة لتشمل جملة من الاختصاصات، من بَيْنِها: متابعة الالتزامات الوطنيَّة ذات الصلة بالاتفاقيَّات الدوليَّة؛ واستيفاء متطلبات الاتفاقيَّات الدوليَّة والإقليميَّة ذات العلاقة بالنزاهة ومكافحة الفساد؛ إضافة إلى متابعة تنفيذ الخطَّة الوطنيَّة لتعزيز النزاهة في مختلف الوحدات والجهات ذات العلاقة، كما تتولى المديريَّة تلقي الشكاوى والبلاغات الواردة للجهاز عن المخالفات الماليَّة والإداريَّة أو حالات الإهمال أو التقصير في أداء واجبات الوظيفة العامَّة، أو المساس بالمال العام. وتتسع هذه المهام لتشملَ أيضًا: وضع وتنفيذ السياسات والإجراءات الكفيلة بالوقاية من الفساد؛ وطلب وتلقي إقرارات الذمَّة الماليَّة؛ وتعزيز النزاهة المؤسَّسيَّة؛ ونشر ثقافة النزاهة في بيئة العمل المؤسَّسي، سواء في الوحدات الحكوميَّة أو المؤسَّسات التعليميَّة أو في القِطاع الخاص.
وعليه، يُمثِّل إنشاء هذه المديريَّة تحوُّلًا نوعيًّا في مسيرة عمل جهاز الرقابة الماليَّة والإداريَّة للدَّولة، وفرصة نَحْوَ تعزيز كفاءته الأدائيَّة والرقابيَّة وصلاحيَّاته في مجال تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، وبالتَّالي التوقُّعات بما يُمكِن أن يؤديه هذا التنظيم الإداري الجديد في هيكل جهاز الرقابة من تحوُّلات في المسألة الرقابيَّة وترسيخ قِيَم المساءلة والنزاهة ومكافحة الفساد، خصوصًا أنَّ هذه المديريَّة تتبع هيكليًّا رئيس الجهاز، حيثُ تتلقى التوجيهات المباشرة من رئيس الجهاز، بما يُمكِّنها من إنجاز مهامها بكفاءة أعلى، ويضعها في إطار القوَّة المؤسَّسيَّة القادرة على تَبنِّي أدوات رقابيَّة محكمة وآليَّات فاعلة، لا سِيَّما في ظل توجُّهات الجهاز نَحْوَ التحوُّل الرقمي عَبْرَ «تطبيق جهاز الرقابة الماليَّة والإداريَّة للدولة» باعتبارها أدوات رقميَّة مبتكرة وممكنات نوعيَّة تساعد هذه المديريَّة في سرعة الحصول على الشكاوى والبلاغات الواردة للجهاز وسريَّتها، وتفتح أمام المُجتمع شراكات رقابيَّة أوسع عنوانها الثقة والتثبت والتزام المصداقيَّة والشفافيَّة في نقل هذه الصور غير المنضبطة الحاصلة على مستوى الأفراد في إطار الوظيفة العامَّة أو على مستوى المؤسَّسات، وبالتَّالي دَوْرها في تعزيز الشراكة مع المُجتمع، وضمان تمكين قِيَم النزاهة والشفافيَّة، بما يرفع من كفاءة الأداء المؤسَّسي، ودعم جهود الجهاز في حماية المال العام.
إنَّ إنشاء هذه المديريَّة بهذا المُسمَّى وإبراز مصطلح «مكافحة الفساد» بصيغته الصريحة، يُعَدُّ تحوُّلًا نوعيًّا في فِقه المُجتمع وثقافته، وأنَّ مسألة مكافحة الفساد لم تَعُدْ محاطةً بالحساسيَّات أو التخوف، وما يحصل في وقت سابق من محاولة تجاهل هذا المصطلح من إظهاره أو إبرازه إعلاميًّا أو مجرَّد الحديث عنه، وكأنَّ مسألة ذكره في مقال أو تغريدة أو حديث إعلامي يُمثِّل خطًّا أحمر، أو أمرًا غير مقبول إعلاميًّا، حيثُ يسود لدى البعض تصوُّر مفاده بأنَّ الاعتراف بوجود ظاهرة الفساد أو التطرق إليها عَبْرَ المنصَّات الإعلاميَّة الرسميَّة أو الخاصَّة، قد يمنح أصحاب هذه الأفكار تشجيعًا ضمنيًّا، أو يدفعهم إلى المزايدة على قِيَم المُجتمع وهويَّته. كما يخشى البعض الآخر أن يُفهم هذا الطرح على أنَّه دعوة إلى التعامل مع هذه الظواهر بوصفها قضايا قائمة بذاتها وظواهر موجودة في مُجتمع سلطنة عُمان. لذلك فإنَّ إبراز مصطلح «الفساد» اليوم وإقراره بشكلٍ رسمي عَبْرَ إنشاء هذه المديريَّة، يفتح المجال أمام مزيدٍ من الجهد الوطني؛ ويؤكد أنَّ مكافحة الفساد أصبحت ضرورة وطنيَّة، وسلوكًا رسميًّا ومؤسَّسيًّا.
كما يفتح هذا التوجُّه المجال أمام مشاركة المُجتمع وبخاصَّة كتَّاب الأعمدة والصحفيون والإعلاميون في تناول هذا المفهوم بشفافيَّة ووضوح، وتسليط الضوء عليه بشكلٍ مباشر؛ لِمَا في تجاهله أو محاولة تجنُّبه من أثر سلبي في استمرار هذه السلوكيَّات غير المنضبطة، وعندها تصبح الشراكة المُجتمعيَّة باعتبارها إحدى مهام هذه المديريَّة، محطَّة لإعادة إنتاج الجهد الرقابي بروح مُتجدِّدة، وأدوات فاعلة، ومسارات مقنَّنة، واستراتيجيَّات أداء لا تقوم على المزاجيَّة والذاتيَّة أو الرغبة الشخصيَّة؛ بل على أساس كونه مسارًا استراتيجيًّا، وضرورة مؤسَّسيَّة، والتزامًا وطنيًّا.
وفي هذا السياق تتعامل المديريَّة العامَّة للنزاهة ومكافحة الفساد مع صورة تكامليَّة، سواء في الإطار الإقليمي والدولي أو الوطني، من خلال قياس مدى التزام سلطنة عُمان بالإجابة على التساؤلات الَّتي تطرحها الاتفاقيَّات والمواثيق الدوليَّة ذات الصِّلة بمكافحة الفساد، وهو ما يُعزِّز من رفد هذه المؤسَّسات بمعلومات وبيانات أكثر وضوحًا وثقة ومعياريَّة، تنعكس بِدَوْرها على نتائج ومؤشِّرات التقييم والمتابعة والرصد الَّتي تقوم بها المنظَّمات الإقليميَّة والدوليَّة ذات العلاقة، ويُعَدُّ هذا الأمر مهمًّا في تحديد موقع سلطنة عُمان من مدركات الفساد العالميَّة، ويجيب عن التساؤلات: أين نحن؟ وأين يَجِبُ أن نكُونَ؟ وكيف نحقق المستهدفات الوطنيَّة في مكافحة الفساد؟ بما ينتج عنه مزيدٌ من الثقة والموضوعيَّة والمهنيَّة في عمليَّات التقييم الدوليَّة والَّتي يقابلها في الداخل تَبنِّي سياسات وتشريعات وطنيَّة حكيمة، تضع حدًّا للفساد المالي والإداري، وتقف على أسبابه ومسبِّباته.
إنَّ من شأن هذا الحراك الَّذي تصنعه هذه المديريَّة أن يسهم في تعزيز الرقابة الاستباقيَّة الَّتي يقوم بها جهاز الرقابة بصورة أكثر احترافيَّة وابتكاريَّة ودقَّة وكفاءة، كما يُعزِّز من مستوى التكامليَّة بَيْنَ متطلبات هذه المنظَّمات الدوليَّة والأولويَّات الوطنيَّة في ترسيخ قِيَم النزاهة والمساءلة، وبالتَّالي تأكيد إيجاد أُطر أكثر كفاءة معياريَّة في تطبيق أدوات الخطَّة الوطنيَّة لتعزيز النزاهة والَّتي اتَّجهت فيها المسؤوليَّة إلى هذه المديريَّة، فإنَّ وجود مرجعيَّة واضحة لمتابعة تنفيذ هذه الخطَّة، وما يترتب عليها من بناء أدوات تشخيص وتحليل ورصد وتعقُّب ومراجعة وتشريعات، سوف ترفع من سقف تحقق النزاهة في الممارسة الفرديَّة والمؤسَّسيَّة؛ وتصبح النزاهة خيارًا وطنيًّا وسلوكًا فرديًّا ومُجتمعيًّا، هذا الأمر من شأنه أن يُعزِّز من منظومة القِيَم الاجتماعيَّة والدِّينيَّة والوطنيَّة باعتبارها محكات وأدوات ضبطيَّة في تعزيز قِيَم النزاهة والشفافيَّة والمساءلة والمسؤوليَّة وحماية المال العام ومكافحة كُلِّ أشكال الفساد المالي والإداري والوظيفي.
وعليه، فإنَّ هذا التأطير الفلسفي والتنفيذي والتشريعي لمفردة الفساد، والمعطيات المؤدِّية إليه، والمعالجات المرتبطة به، من شأنه أن يقدِّم محتوى وطنيا أكثر تكامليَّة حول مكافحة الفساد، ومعلومات أكثر مصداقيَّة وشفافيَّة تُعَبِّر عن وعي رقابي جمعي بمكافحة الفساد، وأنَّ مكافحة الفساد تعتمد على استشعار الجميع لهذه المسؤوليَّة الوطنيَّة والأخلاقيَّة، لتمتدَّ عَبْرَ مشاركة الأفراد والمؤسَّسات في الإبلاغ عن الممارسات غير المضبطة والَّتي قد تُشكِّل شبهات فساد، الأمر الَّذي يُعزِّز من مستوى رقابة الضمير وحسّ المسؤوليَّة.
كما يتوقع أيضًا أن يسهم وجود هذه المديريَّة في تعزيز حضور ملف الفساد في التقارير الوطنيَّة والكتاب الإحصائي السنوي، وإصدارات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، من خلال رصد دقيق ومنهجي لحالات الفساد المالي والإداري والوظيفي، وفْقَ تصنيفات محدَّدة تعكس تنوُّع هذه الظواهر ومستوى خطورتها، سواء من حيثُ النَّوع أو الأثر أو الأدوات أو المعالجات أو الجزاءات والعقوبات، الأمر الَّذي سيتيح للباحثين والخبراء والمهتمين والإعلاميين والأكاديميين تناول هذا الموضوع بشكلٍ أكثر مصداقيَّة وشفافيَّة وموضوعيَّة، ويُعزِّز من فرص التطرق له في البحوث والدراسات الأكاديميَّة ورسائل الماجستير والدكتوراه.
ويتكامل هذا التوجُّه مع جهود جهاز الرقابة الماليَّة والإداريَّة للدَّولة في تعزيز الوعي الرقابي المُجتمعي، من خلال المسابقات البحثيَّة والعلميَّة والمشاركات الأكاديميَّة، ومن ذلك مثلًا: المشاركة في المسابقة الثانية للبحوث والدراسات في مجال حماية النزاهة ومكافحة الفساد في موضوع «مكافحة الفساد بغير الطُّرق القضائيَّة: مقاربة نظريَّة وتجارب عمليَّة» الَّتي تنفِّذها الأمانة العامَّة لمجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة وبالتنسيق مع الجهاز؛ بما يعكس إدراك سلطنة عُمان لأهميَّة التصدِّي للفساد كظاهرة تُهدِّد المُجتمعات، وضرورة إشراك مختلف فئات المُجتمع، وبخاصَّة الشَّباب وطلبة الجامعات، في الجهد البحثي والمعرفي المرتبط بها.
أخيرًا، نبارك لجهاز الرقابة الماليَّة والإداريَّة للدَّولة هذه التوجُّهات النوعيَّة الَّتي تُشكِّل قِيمة مضافة في عمله، وتسهم في تحقيق أهدافه، وتؤسِّس لمرحلة متقدمة من العمل من أجْلِ مُجتمع أكثر نزاهة وشفافيَّة «نزاهة وطن». كما نُعَبِّر عن خالص الشكر والتقدير لمعالي الشيخ رئيس الجهاز على جهوده النوعيَّة في استشراف التوجيهات السَّامية وترجمتها إلى واقع عملي يخدم أولويَّات رؤية «عُمان 2040»، والشكر موصول لجميع القائمين على هذا الجهاز.
د.رجب بن علي العويسي