الثلاثاء 13 يناير 2026 م - 23 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

هل الإنفلونزا بهذه الخطورة؟

هل الإنفلونزا بهذه الخطورة؟
الاثنين - 12 يناير 2026 08:00 ص

د. يوسف بن علي الملَّا

10


في كُلِّ فصل شتوي، وخصوصًا عندنا في هذا الإقليم، يصل الإنفلونزا بهدوء فلا يعلن عن نفسه بالخوف، وهكذا يتسلل إلى المنازل، والفصول الدراسيَّة، وأماكن العمل، بل وممرَّات المستشفيات متخفيًا تحت مُسمَّى ما نطلق عليه دائمًا مجرَّد مرض موسمي. ومع ذلك في كُلِّ عام، نشاهد النمط نفسه يتكرر، فمرضى يؤجلون العلاج، ومؤسَّسات صحيَّة مرهقة بفيروس ـ إن صحَّ القول ـ لم يكُنْ في الأصل غير ضارٍّ.

بطبيعة الحال الإنفلونزا ليست نزلة برد خفيفة قد تظهر أعراضها من حين لآخر، بل نعي جميعًا أنَّها فيروس تنفُّسي سريع التطور قادر على إرهاق حتَّى الأجسام السليمة في ظروف معيَّنة. بل إنَّ ما يجعل الإنفلونزا خطيرة بشكلٍ خاص ليس الفيروس نفسه، بل حقيقة سلسلة التفاعلات الَّتي يطلقها. ومنها فإنَّها تلحق الضرر بالبطانة التنفسيَّة، وتضعف المناعة، إلى أن تصل أحيانًا وتهيئ الظروف للإصابة بعدوى بكتيريَّة ثانويَّة كالالتهاب الرئوي. والأهمُّ هنا ومع متابعة دراسة بمجلَّة (نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين) تبَيَّنَ بأنَّ الإنفلونزا قد تزيد من خطر الإصابة بالنَّوبات القلبيَّة والسَّكتات الدماغيَّة، خصوصًا في الأسابيع الَّتي تلي الإصابة. وعليه تصبح هنا الإنفلونزا القشَّة الَّتي قصمت ظهر البعير!

ومع ذلك كُلِّه لا يزال التطعيم من أكثر الأدوات الَّتي يُساء فهمها في مجال الصحَّة العامَّة. وهنا لا أدَّعي الكمال بلقاح الإنفلونزا، ولكنِّي مع متابعة التحليلات الطبيَّة والَّتي بَيَّنَت بأنَّ التطعيم يقلِّل من حالات دخول المستشفيات، ووحدات العناية المركزة والوفيات. والأهمُّ من ذلك، أنَّ الأفراد المطعَّمين الَّذين يُصابون بالإنفلونزا أعراضهم تكُونُ أخفَّ والتعافي أسرع.

من ناحية أخرى، يظلُّ أكثر ما يثير القلق بشأن الإنفلونزا هو مدى شيوعها. فمتى ما ألِفَ الأفراد الراحة، بالتأكيد سيولد ذلك الإهمال. ولعلَّنا كأفراد تعلَّمنا أنْ نخشى الفيروسات الجديدة بَيْنَما نتجاهل الفيروسات القديمة الَّتي لم تتوقف عن حصد الأرواح. ولِكَيْ نأخذَ الموضوع على محمل الجدِّ يَجِبُ أن ندركَ أنَّه لا تحتاج الإنفلونزا إلى حداثة لِتكُونَ خطيرة، بل يكفيها التهاون!

وأقصد هنا أنَّه لا تكمن المُشْكلة في نقص التدخل الفعَّال مثلًا، بل في التأخر في تشخيص الإنفلونزا كحالة طبيَّة حقيقيَّة تستحق الاهتمام الفوري. فكثيرًا ما ينتظر الناس أو ذلك الفرد على أمل أن تنخفض الحرارة من تلقاء نفسها، حتَّى يأتي وقت ويصبح التنفس صعبًا أو يصابوا بالجفاف!

ختامًا، الإنفلونزا ليست مرضًا خطيرًا كالأوبئة. فهي مرض عادي، يُمكِن التنبؤ به ولذلك يسهل الاستهانة به. وبالتَّالي إدراك خطورتها من خلال التطعيم والعلاج المبكر والرعاية في الوقت المناسب ليس تهويلًا، بل واقعيًّا هو نضج وإدراك لأهميَّة الصحَّة.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]