الأربعاء 14 يناير 2026 م - 24 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

نهضة تدار بعقل الزمن لا بضجيج اللحظة

نهضة تدار بعقل الزمن لا بضجيج اللحظة
الاثنين - 12 يناير 2026 07:00 ص

إبراهيم بدوي

10


كنتُ دائمًا أشفق على مَن سيتولَّى الحُكم بعد السُّلطان قابوس بن سعيد ـ طيَّب الله ثراه ـ، فقد كنتُ مدركًا أنَّ السُّلطان الجديد لا يرث تركة ثقيلة بعيدة عن الإنجاز، وإنَّما يتسلم دولة صاغ ملامحها قائد مؤسِّس حقَّق إنجازًا تلو الآخر، واستطاع على مدى خمسة عقود تحقيق استقرار ممتد، وبناء ذاكرة جمعيَّة شَعبيَّة اعتادت نمطًا محدَّدًا من الطمأنينة. وهنا كان التحدِّي الأكبر لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ من وجهة نظري، فالأصعب لم يكُنْ مواصلة المسار، وإنَّما تحقيق ذلك في توقيت عالمي مرتبك، في زمن تتساقط فيه اليقينات، وتتعثر فيه الدول الكبرى قَبل الصغيرة. وبرغم أنَّ الإحساس العُماني العام لم يكُنْ قلِقًا، وكان ممتلئًا بالثقة في اختيار السُّلطان الراحل، فإنَّ ضغوطًا كبيرة أحاطت بطريقة إدارة الدفَّة لا باتِّجاه الإبحار. فجلالته منذ البداية أكَّد قولًا وفعلًا أنَّه ماضٍ في طريق النهضة المباركة، وأنَّه سيبني على الأُسُس الراسخة لتلك الشجرة الوارفة الظلال، وأنَّه ملتزم بالثوابت، مع احترام واضح لما تحقَّق، ووعي حادٍّ بأنَّ الزمن تغيَّر، وأنَّ النهضة إن أرادت البقاء فعليها أن تفهم أدوات عصرها دون أن تفقد روحها، لِيكُونَ الحادي عشر من يناير بداية نهضة مُتجدِّدة تصنع مستقبلًا واعدًا.

ما تلا تولِّي عاهل البلاد المُفدَّى الحُكم أكد أنَّ التحدِّي الأكبر كان فيما أحاط الدَّولة والعالم أجمع من أزمات، فكُلُّ فِكر نهضوي يحتاج إلى عالم مواتٍ، غير أنَّ من رحم تلك الأزمات ظهرت ملامح القيادة الحكيمة، رغم توالي العواصف، خصوصًا وأنَّ العالم على مدار عقد كامل عاش حالة فقدان للتوازن. ومن هنا جاءت خصوصيَّة المرحلة الجديدة، إذ تشكَّلت في زمن عالمي غير عادل، وغير مستقر، وغير قابل للتنبؤ، زمن تتغير فيه القواعد قَبل أن تفهم، وتفرض فيه الضغوط على الدول من خارج حدودها قَبل داخلها. وهنا بدا واضحًا أنَّ الاستمرار في الطريق النهضوي لا يُمكِن أن يتمَّ بالأدوات نفسها، ولا بالوتيرة نفسها، ولا حتَّى باللُّغة نفسها أحيانًا. وما استوقفني أنَّ مقاربة الحُكم اختارت منطق التراكم لا إغراء الإنجاز السريع، وكأنَّ هناك إدراكًا عميقًا بأنَّ الدول لا تُقاس بعدد العناوين، وإنَّما تُقاس بقدرتها على الصمود الهادئ وسط العواصف، فلم يكُنِ الهدف ترديد إنجازات، بقدر ما كان الهدف حماية الثقة، وصون الاستقرار، وعدم استنزاف الدَّولة أو مواردها في سباق استعراضي مع زمن مرتبك..

هذا الوعي السَّامي باللَّحظة التاريخيَّة جعل جلالته يختار الطريق الأصعب، فكان من السهل الإعلان عن منح ومساعدات، تتراكم معها الديون، وتختلُّ معها موازين الدَّولة، ثم تنهار النهضة تحت وطأة الاستعراض، غير أنَّ الإدارة الواعية اختارت طريقًا مختلفًا، تعامل بواقعيَّة، وخفَّضت الدَّين، وقلَّصت التداعيات، لِتؤكِّدَ أنَّ الحُكم الرشيد وتجديد النهضة لا يداران برد الفعل، وإنَّما بفهمٍ دقيق لمعنى الاستمراريَّة في عالم لا يمنح أحدًا ترف التسرع.

ولعلَّ أكثر ما شدَّ انتباهي في تجربة النهضة العُمانيَّة المُتجدِّدة، وأنا شاهد على عصرَيْنِ، أنَّ التحوُّلَ الأهمَّ لم يكُن اقتصاديًّا فقط، يعتمد على ترشيد الإنفاق وتحقيق التنويع، وإنَّما كان نفسيًّا وسياسيًّا في آنٍ واحد، فالدَّولة لم تدخلْ سباقًا مع التوقُّعات، ولم تغذّ شهيَّة المُجتمع بوعود سريعة، وكأنَّ هناك قناعة راسخة بأنَّ أخطر ما يواجه الدول في اللحظات الانتقاليَّة، خصوصًا تلك الَّتي تأتي وسط أزمات عالميَّة متوالية، هو تضخيم الأمل غير القابل للتحقق. وهنا اختار الحُكم الجديد إعادة تشكيل العلاقة بَيْنَ الدَّولة والمُجتمع على أساس الصراحة والانضباط، لا على أساس التهدئة المؤقتة، وهذا النَّوع من القيادة لا يمنح الناس ما يرغبون في سماعه، وإنَّما يمنحهم ما يحتاجون إلى فهمه، وهي نقلة عميقة في معنى الحُكم، تنقل الدَّولة من إدارة المزاج العام إلى بناء وعي جمعي قادر على الصبر، والمشاركة، وتحمُّل الكلفة. فالدَّولة الَّتي تعود مواطنيها على الواقعيَّة، تحمي نفسها من الانكسارات المفاجئة، وتمنح نهضتها فرصة حقيقيَّة للاستمرار.

كُلَّما تأملتُ هذه السنوات ترسَّخ داخلي شعور بأنَّ ما جرى في عُمان لم يكُنْ إدارة مرحلة عابرة، وإنَّما كان اختبارًا لفكرة الدَّولة ذاتها، فهناك دول خرجت من الأزمات أكثر صخبًا، وأقلَّ تماسكًا، ودول أخرى اختارت النجاة بصمتٍ، ودفع ثمن العقلانيَّة على مهل، والرهان الحقيقي لم يكُنْ على رقم في موازنة، ولا على تصنيف ائتماني، وإنَّما كان على شيء أعمق، وهو أن تبقى الدَّولة واقفةً، متَّزنة، قادرة على النَّظر إلى المستقبل دون استعجال، ودون خوف، فإذا كان التاريخ سيذكر السُّلطان قابوس بن سعيد بوصفه مؤسِّس النهضة العُمانيَّة الحديثة، فإنَّ ما حدَث في السنوات الأخيرة سيَجبر المؤرخين المنصِفين على ذكر جلالة السُّلطان هيثم بن طارق بوصفه سلطانًا جدَّد عهد النهضة بصدق وشفافيَّة، وبإرادة تدرك أنَّ الاستمراريَّة لا تقلُّ شرفًا عن التأسيس، وأنَّ المُضي في هذا الطريق لم يكُنْ بطولة سياسيَّة، وإنَّما مسؤوليَّة ثقيلة مورست بعيدًا عن الأضواء. ومن هنا تتجلَّى قِيمة النهضة المُتجدِّدة، تلك النهضة الَّتي لم تَعد بالمعجزات، ولم تَبِع الوهم، ولم تستسهل الطريق، وإنَّما اختارت الطريق الأصعب، وسَعَتْ نَحْوَ تراكم الثقة كما تراكم الدول الرصينة خبرتها عَبْرَ الزمن، فأن تدار الدَّولة بهذا النَّفَس في عالم ينهار فيه المنطق قَبل الاقتصاد، هو إنجاز من نوع آخر، يقاس بقدرة المُجتمع على أن يستيقظ كُلَّ يوم وهو مطمئن إلى أنَّ الدفَّة ما زالت في يد عقل يرى أبعد من الموج، وأبعد من اللحظة، وأبعد من إنجاز مؤقت يعقبه إنهاك ومعاناة.

إبراهيم بدوي

[email protected]