الثلاثاء 13 يناير 2026 م - 23 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الميزان التجاري.. قراءة فـي مسار حكم واقتصاد دولة

الاثنين - 12 يناير 2026 04:00 م

رأي الوطن

20


تحلُّ ذكرى يوم توَلِّي حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم بوصفها لحظة تأسيسيَّة فارقة في تاريخ الدَّولة العُمانيَّة الحديثة، ونهضتها المُتجدِّدة، لحظة أعادت ترتيب أولويَّات الحكم وإدارة الاقتصاد معًا في توقيت عالمي شديد الاضطراب؛ ففي هذا اليوم لا تستدعي الذاكرة مشهد انتقال سُلطة تقليدي، وإنَّما لحظة وعي سياسي اختارت فيها عُمان أنْ تواجهَ العالم بعقل الدَّولة، وأنْ تُعِيدَ تعريف مفهوم الاستقرار من كونه حالة دفاعيَّة إلى كونه مسارًا إنتاجيًّا طويل النَّفَس.. من هذا المنطلَق تُقرأ مؤشِّرات الميزان التجاري اليوم قراءة مختلفة؛ باعتبارها انعكاسًا مباشرًا لفلسفة حُكم أدركت أنَّ قوَّة الدَّولة تُقاس بقدرتها على إدارة التحوُّلات، وأنَّ الفائض الحقيقي لا يكمن في تضخُّم المؤشِّرات، وإنَّما في متانة القاعدة الاقتصاديَّة وقدرتها على الصمود أمام تقلُّبات الطَّاقة والأسواق. لذلك، يصبح الحديث عن الميزان التجاري امتدادًا طبيعيًّا للحديث عن يوم التولِّي ذاته، حيثُ تتقاطع السياسة والاقتصاد في نقطة واحدة عنوانها هو بناء دولة تعرف أين تقف وإلى أين تتَّجه.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، تأتي قراءة تطوُّرات الميزان التجاري خلال عام 2025 باعتبارها ترجمة عمليَّة لذلك الوعي السياسي الَّذي حكَم لحظة التَولِّي، حيثُ لا تُفصل الأرقام عن السياق، ولا تُقرأ المؤشِّرات خارج فلسفة إدارة الدَّولة. فتراجع الفائض مقارنة بالعام السابق لا يحمل دلالة ضعف، وإنَّما يعكس مسارًا اقتصاديًّا اختار تحريك عجلة الإنتاج والتجارة بدل تجميدها عند حدود رقم مريح ظاهريًّا، وزيادة الواردات هنا ترتبط بمتطلبات النُّمو، وتوسيع القاعدة الصناعيَّة والتجاريَّة، بَيْنَما يُعَبِّر تراجع صادرات النفط والغاز عن انتقال تدريجي ومدروس من اقتصاد تحكمه دَوْرة الطاقة إلى اقتصاد أوسع أُفقًا وأقلّ ارتهانًا لتقلُّباتها، وهذا التوازن بَيْنَ الانضباط المالي واستمراريَّة النشاط يكشف أنَّ الاقتصاد العُماني يُدار اليوم بمنطق الدَّولة الَّتي تعرف أنَّ الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالتحفظ المفرط، ولا بالمغامرة، وإنَّما بإبقاء السُّوق في حالة عمل واعٍ، قادر على امتصاص الصَّدمات، وتحويل التحدِّيات إلى فرص ضمن مسار طويل النَّفَس.

لعلَّ التحوُّلَ الأهمَّ الَّذي تكشفه أرقام الميزان التجاري لا يرتبط بحجم الفائض بقدر ارتباطه بتغيُّر تركيبته؛ فصعود الصَّادرات غير النفطيَّة وإعادة التصدير بوصفه نتيجة مباشرة لمسار اقتصادي جرى بناؤه بتأنٍّ خلال السنوات الماضية، هو جوهر التقدُّم الَّذي حدَث. وتعكس هذه المؤشِّرات انتقالًا عمليًّا من الاعتماد على مورد واحد إلى توسيع قاعدة الدخل التجاري عَبْرَ تعزيز الصناعة، والخدمات اللوجستيَّة، وربط السُّوق العُماني بسلاسل الإمداد الإقليميَّة والدوليَّة. وعليه فإنَّ نُموَّ تلك القِطاعات هنا يأتي كتراكم لسياسات استثماريَّة وتشريعيَّة هدفت إلى تحويل الموقع الجغرافي والإمكانات الإنتاجيَّة إلى عناصر فاعلة داخل الاقتصاد، بما يمنح الميزان التجاري قدرة أعلى على التوازن حتَّى مع تراجع إيرادات الطاقة. وهنا تتجلى ملامح اقتصاد يتحرك بثبات، ويُعِيدُ توزيع مصادر قوَّته، بما ينسجم مع فلسفة حُكم راهنت على البناء المتدرج لا القفزات السريعة، لِيصبحَ ذلك في تحقيق نُموٍّ مستدام، يُحقق المرجوَّ للوطن والمواطن في آنٍ واحد.

إنَّ خريطة الشركاء التجاريين الَّتي تعكسها بيانات الميزان التجاري تُمثِّل الامتداد السياسي الطبيعي لهذا المسار الاقتصادي، حيثُ يظهر تنوُّع العلاقات التجاريَّة بوصفه ترجمة عمليَّة لنهج الدَّولة في بناء شبكة مصالح متوازنة وقابلة للاستدامة. ويأتي اتِّساع نطاق التبادل مع شركاء إقليميين ودوليين مختلفين ليؤكِّدَ أنَّ الاقتصاد العُماني يتحرك ضِمن رؤية تدرك أنَّ الاستقرار يُصان بتوزيع المخاطر وتوسيع الخيارات، لا بالارتهان لسُوق واحد أو محور بِعَيْنه. فهذا التنوع يمنح الميزان التجاري مرونةً إضافيَّة، ويُعزِّز قدرة الاقتصاد على التكيُّف مع تقلُّبات الطلب والأسعار في عالم تتسارع فيه التحوُّلات التجاريَّة والجيوسياسيَّة. وفي هذا الإطار، تغدو أرقام الميزان التجاري انعكاسًا لمسار حُكم تعامل مع الاقتصاد كأداة سيادة وبناء، لا كملف فنِّي معزول، لتتحولَ التجارة إلى لُغة هادئة تُعزِّز حضور الدَّولة، وتحفظ استقلال قرارها، وتؤسِّس لنُموٍّ متوازن يربط مصلحة الوطن باستقرار المواطن، ضِمن رؤية دولة تعرف أنَّ المستقبل يُدار بالتوازن وطول النَّفَس.