فكرتُ كثيرًا قَبل إعادة كتابة هذا المقال؛ لأنَّ ذات الموضوع تمَّ الكتابة عنه والتنبيه عليه أكثر من مرَّة، وفي أكثر من مقال ودراسة تمَّ نشرها في هذه الصحيفة الغرَّاء (الوطن)(1 )، وقد خصَّصت له بحثًا مستقلًّا في كِتاب صدر لي في العام 2024 بعنوان: وسائل الإعلام الرسميَّة بَيْنَ تمكين الدولة وصناعة الرأي العام، ورغم ذلك سأعيد التذكير بهذا الموضوع المُهمِّ للغاية؛ لأنَّ السنوات القادمة ستعتمد عليه الحكومات بشكل رئيسٍ لتمكين العلاقة بَيْنَها ومواطنيها.
من زاوية أخرى أنا على يقين تامٍّ من اهتمام وحرص الحكومة على كُلِّ ما يتعلق بهذه الوظيفة، ورغم ذلك وكتقييم شخصي ما زالت هذه الوظيفة ـ الغاية في الأهميَّة لأيِّ جهاز تنفيذي أو سياسي ـ بحاجة إلى إعادة نظر لدى مؤسَّساتنا الوطنيَّة، خصوصًا المؤسَّسات والأجهزة المرتبطة ارتباطًا تامًّا ودائمًا مع السكان. وإذا كانت هذه الوظيفة وخلال السنوات الماضية وضعت على سلَّم اهتمام مُعْظم الحكومات حَوْلَ العالم، فهي وخلال المرحلة القادمة يَجِبُ أن توضع في مراتب أعلى وأكثر اهتمامًا ورعاية.
وهنا نسأل: لماذا تكرار هذا التنبيه على هذه الوظيفة الرئيسة لأيِّ حكومة حَوْلَ العالم؟ أستطيع أن أقول وبكُلِّ صراحة إنَّ هذه الوظيفة السياسيَّة والإداريَّة ستُشكِّل معيار الاستقرار أو عدم الاستقرار لجميع أشكال الحكومات والأنظمة السياسيَّة خلال المرحلة القادمة، وإنَّ الفشل في التواصل مع المواطنين أو حتَّى الضعف في تنفيذ هذه الأمر سيعرِّض تلك الحكومات للصدام مع مواطنيها لأسباب عديدة ومختلفة، منها ـ على سبيل المثال ـ عدم ثقة المواطنين بسياسات وتوجُّهات الحكومة؛ لأنَّ الحكومة لم تتمكن من توضيح أهداف تلك السياسات للمواطنين، كذلك يُمكِن أن تتعرض أغلب النتائج الجيِّدة (مخرجات) تلك السياسات إلى التهميش وعدم المبالاة؛ لأنَّ اتِّجاه الرأي العام منشغل بقضايا أخرى غير تلك الَّتي تعمل عليها الحكومة. وبمعنى آخر، ستتفتت الأعمال والسياسات والتوجُّهات الحكوميَّة الجيِّدة على شواطئ السلبيَّة والسّخط والامتعاض.
دعوني أقول بصراحة إنَّ الحكومات في المرحلة القادمة بحاجة إلى ترويج (لمنتجاتها)( 2) بشكلٍ مدروس ومهني، بحاجة إلى الدعاية والتسويق بحذر وحرص لتلك السياسات والتوجُّهات الحكوميَّة، خصوصًا ما يتعلق منها بمعيشة المواطن. وما يؤسف له كثيرًا هو ضعف هذه الوظيفة لدى أكثر الحكومات التقليديَّة اليوم، خصوصًا تلك الَّتي لا تملك الأجهزة والموظفين المتخصصين للعمل على هذه الوظيفة السياسيَّة، كذلك من الملاحظ أنَّ بعض المؤسَّسات ـ وللأسف الشديد ـ انشغلت بالنتائج الصلبة أو المخرجات الماديَّة لسياساتها، وتناست القوَّة الناعمة لوسائل الإعلام والدعاية والتسويق للمنتج الحكومي.
ولعلَّ أبسط المعايير المهنيَّة الَّتي يُمكِن التعرف من خلالها على حقيقة هذه الوظيفة، أو واقع حالها هو آراء الرأي العام أولًا، ثم تطبيقات هذه الوظيفة في الميدان ثانيًا، سواء كان ذلك من خلال منصَّات التواصل الافتراضيَّة المتاحة للمواطنين، وهنا أقول المنصَّات الحقيقيَّة وليست الشكليَّة، أي تلك الَّتي يُمكِن قياس مخرجاتها أو نتائج مدخلاتها، بالإضافة إلى الموظف الميداني، وهذا الموظف يبدأ من أعلى سلَّم الهرم في أيِّ وزارة، أي الوزير، وكم مرَّة قام فيها بالنزول إلى الميدان، وجلس فيها مع المواطنين واستمع لهم ولهمومهم ومشاكلهم؟
وما زلتُ أصرُّ على أهميَّة التحوُّل إلى الميدان كأداة من أدوات الترويج السياسي للمنتج أو السلعة الحكوميَّة، وبغير ذلك ستتعرض مُعْظم السياسات والقرارات الحكوميَّة إلى التهميش وعدم المبالاة من قِبل المواطنين، خصوصًا أنَّ المواطن اليوم منشغل بما هو أهمُّ من الموازنات العامَّة للدول أو الأُمم المُتَّحدة والسياسات الاقتصاديَّة العابرة للقارَّات وقضايا الإرهاب وطبقة الأوزون، حيثُ إنَّ لُقْمة العيش والبحث عن وظيفة تقع على رأس أولويَّاته، وبَيْنَما تحاول الحكومات الاستقرار والهدوء، ولكونها تفشل في الترويج للمنتج الحكومي (سياسات وقرارات وتوجُّهات...إلخ) تواجه العديد من الانتقادات وعدم رضا الرأي العام. ولعلَّ الأخطر من ذلك الدخول مع مواطنيها في صدامات ومشاققات حَوْلَ السياسات والخدمات الحكوميَّة.
إذًا ـ وكما أشرت في مقالات ودراسات سابقة ـ نحن بحاجة إلى قيادات ميدان، قيادات قادرة على أن تتحولَ إلى علامة وطنيَّة تبعث الأمل والثقة والاستقرار في نفوس المواطنين، بحاجة إلى قيادات قادرة على النزول إلى الشارع لمعرفة احتياجات الناس والتعرف على مشاكلهم. أمَّا أن تصدر القرارات استنادًا إلى التقارير الورقيَّة الَّتي تصل إلى المسؤولين فهذا الأمر يعرِّض العمليَّات السياسيَّة للإدارة إلى الفشل، وفي أحسن الأحوال إلى عدم المبالاة، وفي كُلِّ الحالات تكُونُ النتيجة واحدة وهي ضعف الوظيفة التواصليَّة، والَّتي بِدَوْرها تحوِّل الجهود الحكوميَّة إلى نتائج ومخرجات غير مرغوب بها أو مهمَّشة.
على العموم أتمنَّى أن ننتبهَ خلال هذا العام 2026 إلى أهميَّة الوظيفة التواصليَّة للحكومة وأهميَّتها من جهة ومخاطر تهميشها من جهة أخرى. أتمنَّى أن تملك الحكومة مستشارين وخبراء حَوْلَ الرأي العام قادرين على الترويج للسلعة والمنتج الحكومي. أتمنَّى أن تعمل الحكومة على استغلال العصر الرَّقمي لِمَا فيه تمكينها في البيئة السياسيَّة والاجتماعيَّة خصوصًا، وأرجو أن يتنبه مجلس الوزراء خصوصًا إلى ذلك عَبْرَ بناء أدوات وسياسات تعتمد على هذه الوظيفة في البيئة الوطنيَّة، وأن يكُونَ الميدان خلال الأعوام المقبلة هو المعيار الرئيس لاختيار القيادات الوطنيَّة الَّتي سيتمُّ الاعتماد عليها لتمكين الحكومة وتعزيز أدوارها التقليديَّة في البيئة الوطنيَّة.
ـــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ - ضعف الوظيفة التواصليَّة للحكومة مع الرأي العام وتأثيرها على السياسات الاقتصاديَّة للدولة، صحيفة الوطن العمانيَّة، تاريخ النشر 5 مايو 2024م، على الرابط: https://alwatan.om/article/5754، أنظر كذلك: محفزات التطوير السياسي (المكاسب والمخاطر الاقتصاديَّة للوظيفة التواصليَّة للحكومة مع المواطن)، تاريخ النشر 12 سبتمبر 2021م، على الرابط: https://alwatan.om/details/437586
2 ـ - ماذا لو اعتبرنا الحكومة شركة عامة وأنَّ تلك السياسات الَّتي تنبثق عنها أشبه بالمنتج الَّذي يَجِبُ أن يصل للمستهلك؟ لنتصور أنَّ المؤسسة فشلت في الترويج لمنتجاتها(سياساتها)، فكيف يُمكِن لها الاستمرار والثبات في بيئة شديدة التعقيد والتسارع والتنافس؟!
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @