تتلخص مسؤوليَّات الحكومة وواجباتها، في توفير وتجويد وتيسير الخدمات للمواطن، وتحسين ظروف معيشته، والاهتمام بالتنمية والتطوير، والعمل بجدٍّ وإخلاص؛ لتسهيل سُبل الحياة الكريمة لمُجتمعها، والاطلاع على احتياجاته، وملامسة المتغيرات والظروف والمشاكل الَّتي يمرُّ بها، وتشخيص أسبابها والعمل على معالجة المعيقات وتحسين الظروف بما يُحقق التوازن والعدالة ويتوافق مع الإمكانات، بمعنى أنَّ اختصاصات الحكومة الرئيسة التخطيط وإعداد الدراسات ووضع التصورات وتحديث الأرقام والبيانات وتنفيذ المشاريع، واتخاذ القرارات الَّتي من شأنها توفير الراحة والأمن والاستقرار للمواطن. فالمواطن أولًا وأخيرًا هو (هدف التنمية)، والمختص بتقييم أداء الحكومة ومحاسبتها على أخطائها وكشف فساد أيِّ مسؤول فيها والحكم على مدى استقامتها وجديَّتها وحرصها على القيام بمسؤوليَّاتها من خلال رصد وتتبع درجة رضاه عنها والاستفادة من آرائه وملاحظاته، والعمل على إشراكه في اتخاذ القرارات ومراجعة وصياغة القوانين وإعداد الملاحظات على البرامج والدراسات والموازنات والخطط والرقابة؛ ليتحملَ جزءًا من تلك المسؤوليَّة... ومع استحالة الاستماع أو إشراك جميع المواطنين في العمل التنموي الوطني، فقد استحدثت القنوات والوسائل المُعَبِّرَة عن رأي المواطن ـ الَّتي تطوَّرت أدواتها وممارساتها عَبْرَ التاريخ بفضل جهود الإنسان وبحثه الدائم عن الإجراءات والوسائل الَّتي تَضْمن حقوقه وتوصل مطالبه إلى السُّلطة التنفيذيَّة ـ وتُمثِّله تمثيلًا حقيقيًّا في وضع البرامج والخطط وصياغة القوانين والمساهمة في صنع القرار والرقابة والإشراف على أداء الحكومة. ومن أهمِّ تلك القنوات وأكثرها فاعليَّة ونجاحًا واطمئنانًا في تحقيق التوازن والعدالة بَيْنَ شرائح المُجتمع (البرلمان) أيًّا كانت صِفَته ومُسمَّياته، برلمان يتمتع بسُلطات تشريعيَّة ورقابيَّة واستقلاليَّة تامَّة في تنفيذ اختصاصاته وقيامه بأداء مسؤوليَّاته، هذا في الدول الديمقراطيَّة الَّتي مرَّت بمراحل من الممارسات والتطور والإصلاح في أنظمتها السياسيَّة بفضل تضحيات مواطني تلك الدول وإصرارهم وتصميمهم ومطالباتهم بالمشاركة الفاعلة في صناعة القرار... أمَّا في الدول النامية ـ ومنها العربيَّة بالطبع ـ فقد ظلت اختصاصات البرلمان ضعيفة وسُلطاته شكليَّة وأداؤه دون الطموح بفعل عوامل تختلف من مُجتمع إلى آخر، (مع عدم إغفال أنَّ حكومات كثيرة في هذه الدول وبضغط من بعض أعضائها النافذين يعمدون على إضعاف البرلمان والحدِّ من سُلطاته بشتَّى الطُّرق في مقابل أن تظلَّ سُلطات الحكومات قويَّة وأداؤها بعيدًا عن الرقابة وفوق التشكيك). لقد أفضى إضعاف البرلمان (السُّلطة التشريعيَّة والرقابيَّة) وهيمنة الأحزاب الحاكمة عليه، والتلاعب بالانتخابات، وتغييب المواطن العربي عن المشاركة الفاعلة في صياغة مستقبله ورسم السياسات الَّتي من شأنها النهوض بالأوطان وضمان حياة كريمة، وإقصاؤه عن المشاركة في اتخاذ القرار وإحكام السُّلطة التنفيذيَّة سيطرتها على مقاليد الأمور.. إلى استشراء الفساد وانتشار المحسوبيَّة والواسطة والعشوائيَّة في التخطيط، وتراجع النُّمو الاقتصادي وارتفاع نسبة الفقر والبطالة والجهل، وإلى مُشْكلات جمَّة وخطيرة أغضبت المواطن العربي ودفعته ـ خلال الستة عقود الماضية ـ إلى الخروج إلى الشوارع والميادين والساحات تظاهرًا واعتصامًا واحتجاجًا وإلحاحًا وتصميمًا على إحداث التغيير، واستعادة حقوقه المسلوبة، ومنها دَوْره الحقيقي في المشاركة والمساءلة بعد أن ضيِّق عليه وأغلقت كُلُّ نوافذ الحُريَّة والتعبير أمامه وتقلَّصت البدائل والخيارات، ومعظم الثورات الشَّعبيَّة الَّتي اكتسحت الشوارع والميادين والساحات مرَّات تلو المرَّات، وحاولت قلب المعادلات، ونجحت أحيانًا في الإطاحة بالأنظمة الديكتاتوريَّة، تفرضها دوافع ومحفِّزات اقتصاديَّة؛ فثورة «الربيع العربي» الَّتي لن تكُونَ الأخيرة بالطبع إن لم تتحسن ظروف الشعوب العربيَّة، أشعلها الشَّاب التونسي محمد البوعزيزي ولم تكُنْ إلَّا دفاعًا عن الكرامة والحقوق والعيش الكريم؛ فعربة الخضار الَّتي تُمثِّل مصدر رزقه لم تكُنْ الشُّرطة لتتجرأَ على مصادرتها لو كان البرلمان نافذًا يمارس سُلطاته التشريعيَّة والرقابيَّة على الحكومة ومساءلة الوزراء فيها. من النماذج البرلمانيَّة ـ في عالمنا العربي ـ الَّتي تختصُّ بالدَّوْر الرقابي، سلطنة عُمان، الَّتي منح فيها النظام الأساسي للدَّولة، مجلس عُمان، صلاحيَّات تشريعيَّة ورقابيَّة محدودة وغير فاعلة، وللحكومة الحقُّ في ردِّ وتقييد والتسويف والامتناع عن تنفيذ التوصيات والطلبات والتعديلات الَّتي يقدِّمها مجلس الشورى المنتَخب، إلى مجلس الوزراء، فالنَّص القانوني وتفسيراته تخضع لاجتهادات ويُمكِن تأويلها بما يخدم نفوذ الحكومة والوزراء فيها، وما تريده هي أن يتمَّ، وهذا ذاته المشهد يتكرر في الدول العربيَّة الأخرى. أمَّا مجلس العموم البريطاني ـ النموذج الثاني من عالم مختلف ـ فيخصّص نصف ساعة من كُلِّ أسبوع لاستجواب رئيس الوزراء، وطرح الأسئلة عليه، في كافَّة الجوانب والأمور المتعلقة بالشأنين الداخلي والخارجي، وعليه أن يجيب عنها جميعًا، بدقَّة وصِدق، أو يعطى مهلة للإجابة عنها في جلسة أخرى، وتنحصر أهم اختصاصات البرلمان في :
• إصدار القوانين واللوائح .
• إحالة شكاوى المواطنين إلى الحكومة .
• تحويل الضرائب إلى راحة ومصلحة الشَّعب، ومتابعة صرفها .
• محاسبة الحكومة على الأخطاء الَّتي ترتكبها .
ويقع على عاتق الحكومة تفسير سياساتها للشَّعب عن طريق البرلمان، من خلال المناقشات والاستفسارات الَّتي توجَّه إلى رئاسة الوزراء الممثلة في رئيس الحكومة وأعضائها، ويصل عدد لجان البرلمان إلى: (22) لَجْنة دائمة، وتتفاوت في عدد أعضائها وفقًا لمهامها واختصاصاتها، إذ يصل إلى أكثر من أربعين عضوًا في لجنة الميزانيَّة، تأكيدًا على أهميَّتها في تحقيق تطلُّعات المُجتمع وتسيير شؤون الحياة، وتعزيز النُّمو وتقييم أداء الحكومة وتنفيذ المشاريع الَّتي على ضوئها تتحقق الرقابة البرلمانيَّة. ويحقُّ للبرلمان تشكيل لجان أخرى خاصَّة، كلجان التحقيق على سبيل المثال، والَّتي تُعْنى بالتحقيق وكشف الحقائق .البرلمان الألماني (البوندستاج)، كنموذج ثالث، يتولى دراسة وإصدار القوانين، والرقابة على الأداء الحكومي، وتشكيل لجان تحقيق للرقابة من ربع عدد أعضاء البرلمان، وله حقُّ المساءلة وطرح الأسئلة على الحكومة، وطرح الثقة، فإذا لم يصوت أغلبيَّة الأعضاء لصالح المستشار فهذا يعني إسقاطه. كما أنَّ رئيس لَجْنة الميزانيَّة عضو مهمٌّ في المعارضة، وهي من التقاليد الممارسة منذ القِدم في البرلمان الألماني كتأكيد على دَوْره الرقابي الأصيل. إنَّ البرلمان هو القلب النابض بالديمقراطيَّة والحُريَّة في عدد من دول العالم، وتبرز النتائج الحقيقيَّة لِدَوْره، في استقرار تلك البلدان وفي اقتصادها القوي النَّامي المزدهر، وعلى سبيل المثال، عندما تمَّ تقسيم ألمانيا إلى شرق وغرب كان الفَرق واسعًا وكبيرًا؛ ففي الشرق حيثُ أحكمت الديكتاتوريَّة قبضتها رافقتها حالة من القمع والتخلف والفقر والجهل، فيما عاش الألمان في الشطر الغربي الديمقراطي حيثُ يؤدي البرلمان دَوْره التشريعي والرقابي، حياة مزدهرة واقتصاد قوي منفتح وصناعات عملاقة وعلامات تجاريَّة تتميز بالجودة والقوَّة، تُعَبِّر عن فخر الصناعة الألمانيَّة وقوَّتها وتاريخها المَجيد.
سعود بن علي الحارثي