الخميس 15 يناير 2026 م - 25 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

إطار فكري وعملي لعلاقة الاقتصاد بالتنمية

إطار فكري وعملي لعلاقة الاقتصاد بالتنمية
الأحد - 11 يناير 2026 07:47 ص

هيثم العايدي

10


جاءت فلسفة التنمية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ بوصفها إطارًا فكريًّا وعمليًّا متكاملًا لإعادة صياغة علاقة الاقتصاد بالتنمية، لا من حيثُ حجم النُّمو فحسب، بل من حيثُ نوعيَّته واستدامته وقدرته على خدمة المُجتمع. حيثُ كان التركيز منذ بدايات تطبيق رؤية (عُمان 2040) على بناء اقتصادٍ قادرٍ على توليد دخلٍ مستدامٍ ومتنوع، بعيدًا عن التقلبات، وقادر على الاستجابة لمتطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

وجاء المرتكز الأول، المتعلق ببناء قاعدة متينة ومستدامة للانطلاق الاقتصادي والاجتماعي، لِيبرزَ التوجُّه نَحْوَ إعادة هيكلة مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على الموارد النفطيَّة الناضبة، عَبْرَ الاستثمار في قِطاعات ذات قِيمة مضافة عالية، مثل الصناعة التحويليَّة، والطاقة المتجدِّدة، واللوجستيَّات، والسياحة، والاقتصاد المعرفي. ولم يكُنِ الهدف توسيع النشاط الاقتصادي كميًّا فقط، بل تعزيز قدرته على الاستمراريَّة والتكيُّف وتوليد فرص العمل، بما يجعل النُّمو محركًا فعليًّا للاستقرار الاجتماعي.

أمَّا المرتكز الثاني، فقد تجلَّى في تحديث الأُطر التشريعيَّة والمؤسَّسيَّة لتمكين النُّمو المستدام، من خلال تحديث منظومة القوانين الاقتصاديَّة، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الحوكمة، وإعادة تنظيم أدوار الدَّولة والقِطاع الخاص. وقد أسْهَم ذلك في توجيه الإنفاق العام نَحْوَ الهياكل الاستراتيجيَّة والبنية الأساسيَّة الدَّاعمة للإنتاج، مع التركيز على رفع كفاءة الإنفاق، وضبط الأولويَّات، والحدِّ من الهدر، بما يَضْمن أن تكُونَ الموارد الماليَّة أداة لتعظيم الأثر التنموي لا مجرَّد أداة تشغيليَّة.

وفي هذا السياق، برز توسيع القاعدة الإنتاجيَّة كإحدى أبرز سِمات المرحلة، عَبْرَ الدفع بالاستثمار في القِطاعات الواعدة، وتنويع الشراكات الاقتصاديَّة الدوليَّة، وتعزيز حضور سلطنة عُمان على خريطة الاستثمار العالميَّة.

أمَّا المرتكز الثالث، المتمثل في إدارة التنمية بالاعتماد على مؤشِّرات الأداء والمتابعة فأسَّس لثقافة جديدة في صنع القرار، تَقُوم على القياس، والتقييم، والمساءلة، وربط الأداء بالنتائج. وأسْهَم ذلك في تحسين كفاءة السياسات العامَّة، وضمان تصحيح المسارات في الوقت المناسب، وتعزيز ثقة المُجتمع في جديَّة الإصلاحات واستمراريَّتها.

ويتكامل ذلك مع المرتكز الرابع، الَّذي يتمثل في إيجاد معادلة متوازنة تُحقق مقاصد السياسات الاقتصاديَّة دون الإخلال بمتطلبات الحياة الكريمة للمُجتمع. ومن هنا، جاء إرساء منظومة متكاملة ومَرِنة للحماية الاجتماعيَّة كجزءٍ لا يتجزأ من الفلسفة التنمويَّة، تقوم على دقَّة الاستهداف، وعدالة التوزيع، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.

وهنا تتكامل الأبعاد الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، حيثُ لم ينظر إلى النُّمو بوصفه غاية مستقلَّة، بل كوسيلة لتحقيق الاستدامة، والعدالة، والاستقرار. وهو ما يجعل التجربة التنمويَّة العُمانيَّة في هذه المرحلة نموذجًا واعيًا لإدارة التحوُّل، يوازن بَيْنَ متطلبات الكفاءة الاقتصاديَّة ومقاصد العدالة الاجتماعيَّة، ويضع الإنسان في قلب عمليَّة التنمية.

هيثم العايدي

كاتب صحفي مصري

[email protected]