الثلاثاء 13 يناير 2026 م - 23 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

أصداف : ميزانيات للحياة وأخرى للدمار

أصداف : ميزانيات للحياة وأخرى للدمار
الأحد - 11 يناير 2026 07:44 ص

وليد الزبيدي

20


في الوقتِ الَّذي تُعلِنُ فيهِ الولاياتُ المُتَّحدة استبدالَ اسمِ وزارةِ الدفاعِ بوزارةِ «الحرب»، وتزيدُ الموازنةَ العسكريَّة إلى أَلْفِ مليارِ دولارٍ للعامِ الحالي 2026، متفاخرةً بذلكَ وسطَ حديثٍ أميركيٍّ واسعٍ عن السَّلام، مع توصيفِ «فرضِ السَّلام بالقوَّة» ـ حسبَ الخطابِ الرسميّ للرئيسِ الأميركيّ دونالد ترامب ـ في الوقتِ نفسهِ تُقدِّمُ الصينُ منجزًا حقيقيًّا لخدمةِ البشريَّة، من خلالِ قطارِها الجديد «فائقِ السرعة»، والَّذي قد يصلُ إلى سرعةِ الطائرةِ التجاريَّة نفسها أو يتجاوزُها.

لا يُمكِن مقارنةُ ميزانيَّة صناعةِ المنجزِ الصينيّ فائقِ السرعةِ بميزانيَّة الحربِ الأميركيَّة للعامِ الحالي، كما أنَّ المسارَ الأميركيّ خلالَ نصفِ العقدِ الحاليّ في صناعةِ الأسلحةِ وتطويرِها، يُقابِلُه تطويرٌ دؤوبٌ وحقيقيٌّ للمنجزِ المَدَنيّ الصينيّ. ففي الوقتِ الَّذي تزيدُ فيهِ البنتاجونُ ميزانيَّاتِها الحربيَّة خلالَ السنواتِ الماضية دونَ أن تَقِلَّ عن تسعمئةِ مليارِ دولار، فإنَّ الصينَ تزيدُ من سرعةِ قطارِها لتضعَه في خدمةِ البشريَّة. ففي منتصفِ عامِ 2019 وصلت سرعةُ القطارِ ذي الخدماتِ المَدَنيَّة والتجاريَّة إلى ما يقربُ من (400) كيلومترٍ في الساعة.

لم تتوقَّفِ الجهودُ الصينيَّة عند حدودِ السرعة، بل واصلت عمليَّاتِ التطويرِ وزيادةِ التقنيَّاتِ والإضافاتِ في الخدمات، والدفعِ بها إلى الأمام. ففي كُلِّ عامٍ تقريبًا تُعلِنُ الصينُ عن زياداتٍ في أمرَيْنِ رئيسيْنِ في قطارِها فائقِ السرعة؛ فمن جهةٍ تعملُ الفِرقُ التقنيَّة على رفعِ السرعة بما يُضيفُ الكثيرَ إلى الخدمة، ومن جهةٍ أخرى تواصلُ فرقُ تطويرِ الخدمات، وما يُمكِن تسميتُه بعوالمِ «الرفاهيَّة» داخلَ القطار، نشاطَها وتفرُّدَها في هذا المجال.

وفي نهاية العامِ الحالي ـ كما أعتقد ـ ومن خلالِ متابعةِ التطويرِ الحثيثِ الحاصلِ في المنجزِ الصينيّ، قد يتمُّ الإعلانُ عن تحقيقِ رقمٍ قياسيٍّ كبيرٍ في سرعةِ قطاراتِ النقل. ومع نهاية العقدِ الحاليّ من القرنِ الحادي والعشرين، سيكُونُ هذا المنجزُ قد بلغَ أرقامًا قياسيَّة في السرعةِ والراحةِ والأمانِ والانتشارِ في دولٍ كثيرة. وستظهرُ إحصاءاتٌ مذهلةٌ تتضمَّنُ عددَ الأشخاصِ الَّذين استخدموا هذهِ الخدمة، وكم اختصرتْ من أزمنة، وأسهَمتْ في إنجازِ السفرِ على أفضلِ وجْه.

كما ستظهرُ إحصاءاتٌ أخرى عن عددِ الساعاتِ الَّتي استُخدمَ فيها هذا المنجز، وعددِ المُدُنِ والدولِ الَّتي انتشرتْ فيها هذهِ القطاراتُ داخلَ الصينِ وفي آسيا، ورُبَّما خارجَ هذهِ الرقعِ الجغرافيَّة، إضافةً إلى إحصاءاتٍ عن عددِ الحاوياتِ الَّتي تمَّ نقلُها، والطرودِ البريديَّة المستعجلة. وبالتأكيد ستكُونُ الأرقامُ مذهلةً وجميعُها مفرحة، خصوصًا أنَّ الفِرقَ التقنيَّة العاملةَ في قطارِ الصينِ الأسرع تضعُ في مقدِّمةِ أولويَّاتها موضوعَ «الأمان» عند تحرُّكاتِ القطارِ بهذهِ السرعةِ الفائقة.

وعلى الطرفِ الآخر، ما هي الإحصاءاتُ المنتظرةُ جرَّاءَ زيادةِ الميزانيَّة العسكريَّة للولاياتِ المُتَّحدة بمبلغِ أَلْفِ مليارِ دولار؟ حتَّى نهاية العامِ الحالي 2026 ستظهرُ أرقامٌ مخيفة، بوصفِها نتيجةً حتميَّة لاستخدامِ السِّلاحِ الأميركيّ بمختلفِ أنواعه، وحتَّى نهاية العقدِ الحاليّ ستتراكمُ هذهِ الأرقامُ المخيفة.

شتَّانَ بَيْنَ ميزانيَّاتٍ تُسَخَّرُ للحياةِ وخدمةِ البشريَّة، وأخرى تُنفقُ للدَّمارِ تحتَ شعارِ «فرضِ السَّلام بالقوَّة».

وليد الزبيدي

كاتب عراقي

[email protected]