الثلاثاء 13 يناير 2026 م - 23 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

انتصار الماضي: تفاعلات البترودولار والإسلام الجديد «3»

انتصار الماضي: تفاعلات البترودولار والإسلام الجديد «3»
الأحد - 11 يناير 2026 07:43 ص

أ.د. محمد الدعمي

30


إذا ما راجع المرء الأحداث الساخنة الَّتي حدثت بَيْنَ 2011 و2013، تلك الأحداث المُسمَّاة بـ»الربيع العربي»، تعسفًا، فإنَّه سيحتاج أن يلاحظ تفاعلات تيَّارات التقدُّم والتراجع الَّتي تصاعدت حدَّ الهيمنة الكبرى على شرق أوسط عالق بحلم وسيط. كانت النتيجة النهائيَّة هزيمة واضحة للجمهوريين «التقدُّميين» اِسميًّا، والعلمانيين نسبيًّا، أمام الأنظمة المعروفة بالرجوعيَّة الَّتي أدارت عجلة التغيُّر بحماس و»كرم» بالغَيْنِ، مستخدمة البترودولار المستحصل من الدول الغربيَّة مقابل النفط الخام في سبيل تمويل وتسليح الغوغاء المتعامي المضاد للغرب، ذلك الغوغاء الَّذي اغتال السفير الأميركي بليبيا في 2012. رُبَّما كانت هذه فرصة استغلال واضحة المعالم لأنَّ سلبيَّات الأنظمة الجمهوريَّة قد بانتْ وتضخمت بسرعة ساعدت عددًا من الدول الغنيَّة بالبترول على تغذيتها، ثم فضحها واتهامها بالإخفاق بشكلٍ يحرض على التمرُّد ويشجِّع على التذمُّر المَدَني المضادِّ لهذه الأنظمة الجمهوريَّة في سبيل تخليص الأنظمة «المحافظة» من الاضطراب الداخلي عن طريق تصدير فائض طاقات الأنشطة التمرديَّة الداخلي نَحْوَ فضاءات كانت قد عانتْ ممَّا يكفي من الأزمات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة كَيْ تبتلعَ الأنظمة الجمهوريَّة «عناقيد الغضب» المقدَّمة من قِبل الجماهير الغاضبة والفقيرة الخائبة المتكتلة في الساحات العامَّة وفي أروقة الجامعات. من الناحية الجوهريَّة، كان هذا هو نموذجًا إضافيًّا للدَّوْريَّة المتقلبة للنضال بَيْنَ القوى المُقيمة للأصنام وتلك المهدِّمة للأصنام الَّتي هيمنت على التاريخ العربي الإسلامي منذ القرن السابع الميلادي (مع ظهور الإسلام) حتَّى القرن الجاري. لقد حاول الرئيس المصري السابق، جمال عبد الناصر (1952-1970) ومحاكوه في هذا النوع من الجمهوريَّات أن يضعوا دولهم على درب المستقبل الواعد؛ لولا الأعباء الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة الثقيلة الَّتي برهنت على أنَّها أصعب ممَّا كانوا يتوقعون درجة أنَّها بدَتْ غير قابلة للتذليل. لم يكُنِ الجمهوريون في العالم العربي، في حقيقة الأمر، سوى حالِمِين لأنَّهم استجابوا للتخلف والتدهور إيجابيًّا في نهاية المطاف. كانت الرجوعيَّة بدرجةٍ من عُمق التجذر في الشرق الأوسط، أنَّه يصعب استئصالها على نَحْوٍ فوري، خصوصًا بعدما حظيت بالتشجيع الفاعل من لدُن أنظمة حكم يعتمد وجودها ذاته على إبقاء وإدامة تلك الرجوعيَّة. إنَّه لَمِن الطريف بحقٍّ أن يلاحظ المرء أنَّ البداوة هي مدعاة للافتخار والتبختر عَبْرَ العالم العربي. بالنسبة للذهنيَّة العربيَّة، البداوة تعكس أصالة المرء، والأصالة هي أن يكُونَ المرء غير قابل للتغيُّر بواسطة قوى الجديد والتعرية الثقافيَّة الَّتي تحرِّكها المَدَنيَّة والحداثة. في الشرق الأوسط فقط، يربَّى المرء منذ نعومة أظفاره بوصفه امتدادًا لبادية قفراء مهولة ليست ذات زرع؛ لأنَّها جزء من بوادي الكثبان الرمليَّة المتحركة الَّتي تمدُّ المدينة بقِيَم ماضٍ زائل، لا معنى له اليوم. قد يكُونُ الإنسان البدوي صلبًا وقوي الشكيمة، إلَّا أنَّ صلابته يُمكِن أن تعكس نوعًا من التحجر غير القابل للطراوة.

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي