الثلاثاء 13 يناير 2026 م - 23 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

ثقافة المسؤول.. وتأثيرها على سير العمل

ثقافة المسؤول.. وتأثيرها على سير العمل
السبت - 10 يناير 2026 07:48 ص

سعود بن علي الحارثي

30


تهيمن ثقافة المسؤول (مع عدم التعميم) وطبيعته وظروفه وطموحاته ورغباته وأهواؤه... على أوضاع المؤسَّسة أو الإدارة الَّتي يرأسها وبيئة العمل فيها، بل إنَّ تأثير مزاجيَّاته، غضبه ونقمته، بشاشته ومرحه، قد تتعدى في قوَّتها وحضورها وأثَرها مواد القانون ونصوص اللائحة الإداريَّة الَّتي تنظِّم العمل المؤسَّسي والمنظومة الرسميَّة بشكلٍ عام.. ومردُّ ذلك التأثير إمَّا إلى المسؤول نفسه بسبب سلوكه العام، خصائص ونوع ومستوى التربية والتعليم والوعي ومدى تشرُّبه لسِمات وتقاليد بيئته ومُجتمعه، وضعف الرقابة والمساءلة ونص اللائحة... أو نتيجة للثقافة العامَّة الَّتي تنظر إلى المسؤول نظرة تفيض بالقدسيَّة والإجلال والسُّمو، فقد يسارع المتملقون والمتزلفون والمنتفعون والَّذين يرون في شخص المسؤول قوَّة ونفوذًا وسُلطة تفوق ما عداها، من المختصين ومتلقِّي التعليمات، إلى تنفيذ تعليماته الشفهيَّة أو الكتابيَّة مباشرة بِدُونِ تلكُّؤ وتدقيق وسؤال، حتَّى وإن كانت مخالفة للنَّص القانوني بشكلٍ واضح وجلي، بمعنى أنَّ تلك التعليمات يتمُّ التعامل معها وكأنَّها أعلى مرتبة وإلزامًا من المادَّة الصريحة نفسها، والنظر إلى الأمر من زاوية أنَّه لا يجوز مراجعة المسؤول بشأنها خوفًا أو رجاء وتطلُّعًا لإرضائه، ثم الحصول على منفعة ما، ترقية، أو منصبًا أعلى، أو دَوْرة تدريبيَّة، أو مرافقة وفد لمهِمَّة خارجيَّة... وقد يكُونُ ضعفًا في الشخصيَّة وجهلًا وهروبًا من المسؤوليَّة، أو اعتقادًا بأنَّ مَن أصدرها هو مَن يتحمل مسؤوليَّة تبعاتها، وهو الَّذي سيتعرض للعقاب، وبأنَّه ـ أي هذا المسؤول الكبير ـ أسمى وأجلُّ من أن يقع في الخطأ ويخالف النظام واللوائح، فتعليماته والنَّص القانوني ما هما إلَّا شيء واحد لا يخرج أحدهما أو لا يناقض الأوَّل الثاني، ولا شك بأنَّ تجاهل الإخفاقات والأخطاء وضعف الأداء وصور وأشكال الفساد وتفاقمها واتساع أدواتها ووسائلها في الكثير من مؤسَّساتنا، وإفلات المسؤول من المساءلة والمحاسبة والتقييم والعقوبات، وغنى الكثيرين منهم في أوقات قياسيَّة بعد فقر دُونَ أن يحدثَ ذلك دهشةً وتعجبًا وطرحًا للأسئلة ومحاولة البحث والكشف والمساءلة، وإلصاق التُّهم وإلقاء المسؤوليَّة والبحث عن ضحايا في قائمة المسؤولين أصحاب المستويات والدرجات الأقل لمحاسبتهم وتحميلهم الأخطاء والتجاوزات، متى «ما وقع الفأس في الرأس» وانكشف المستور، تجعل من الموظفين والمختصين والموكلين بتنفيذ التعليمات وإنهاء الإجراءات والإشراف على المشاريع، غير مبالين ولا مهتمين ولا مكترثين لمخالفة تلك التعليمات القانون، لقناعتهم وإيمانهم بقوَّة وسُلطة ونفوذ المسؤول وقدرته على حمايتهم ونفسه، وتحقيق مصالحهم... وينسحب هذا الواقع المرير، حتَّى في وجود المسؤول الآخر، الأمين الواعي والمخلص، الحريص على تطبيق القانون، فعندما لا يكلِّف المختصون أنفسهم بمراجعة مضمون التعليمات للكشف عن مدى توافقها أو مخالفتها للنَّص، تتسبب في غضب هذا المسؤول، بعد اكتشافه للحقيقة، قَبل أن يتمَّ تنبيهه في وقته، فيعاقب الموظف المختص بارتكاب ذلك الخطأ الجسيم. هنا، نستطيع أن نقول بكُلِّ ثقة بأنَّ الذنْب ليس ذنْب المسؤول، ولكن يتحمله الموظف المختص والمكلَّف بالمراجعة والتدقيق والكشف عن مدى مطابقة التعليمات مع نصوص اللائحة، وهو يختلف تمامًا عن ذلك المسؤول الَّذي يصدر تعليماته لتحقيق مكسب شخصي أو من أجْل خدمة قريب أو صديق وهو مدرك وعالم بمخالفتها للقانون. لذا فإنَّ المسؤوليَّة الوطنيَّة والأمانة الوظيفيَّة والاختصاص المناط به تطبيق اللوائح والقيام بمهِمَّة الرقابة والاطمئنان على توافق الأمر مع النَّص في كلتا الحالتين، تطلب منه إصدار مذكرة رسميَّة تكشف تلك المخالفة وعواقبها، وإخلاء المسؤوليَّة القانونيَّة... إنَّ هيمنة المسؤول، وحقيقة أنَّ عين المساءلة والمحاسبة أضعف نظرًا من أن ترتفع إلى كرسيِّه العالي والوثير، وإن حدَث ذلك استثناء، فلن يتعدَّى الأثر إعفاءه من منصبه، ليستمتعَ بالأملاك والأموال الَّتي تحصَّل عليها على مدى سنوات، هي أحد أهم الأسباب للمشاكل والإخفاقات الَّتي تعاني منها مؤسَّساتنا وإداراتنا العامَّة، حيثُ يفرض المسؤول تأثيره الشخصي على بيئة وثقافة العمل... فلا غرو أن يشكِّلَ أو يختار ويصطفي مجموعة موالية أو «لوبي» غايته ومهِمَّته الترويج لسياساته والتغنِّي بقراراته والدفاع عنها، وامتداح المشاريع والأعمال التطويريَّة والإجراءات التسهيليَّة الميسّرة على المواطن، الَّتي تنفذ وتطبق ويعلن عنها، والثناء عليها وتمجيدها وتضخيم الإنجازات بشكلٍ عام، والتصدي لأيِّ نقد أو قدح يوجهان إليه ـ أي المسؤول ـ أو التقليل من شأنه ومن قِيمة ما تنجزه المؤسَّسة الَّتي يشرف عليها، وهذا ما نلمسُه من تنمُّر وردود متهكمة وهجوم عنيف وغضب شديد، يصيب ويوجّه إلى مَن ينتقد مسؤولًا من هذا النوع، أو يتَّهم بطء العمل وتعقيد الإجراءات وضعف الإنجازات أو الفساد المستشري أو التعامل السيء من موظفي المؤسَّسة الَّتي يهيمن عليها، في وسائل التواصل والإعلام الإلكتروني، حتَّى وإن كان ذلك النقد مصحوبًا ومدعومًا ومقوَّى بأمثلة وصوَر ومواقف وقعت... يخبرني صديق في إحدى المؤسَّسات الحكوميَّة بأنَّ مسؤولها الأعلى دعا عددًا من الموظفين المقرَّبين إلى لقاء عاجل في مكتبه، حثَّهم فيه على الردِّ على أحد المغرِّدين، انتقد فيها أداء الوزارة وضعف العاملين فيها، وشكَّك في الأرقام الَّتي تنشر... أخرج الغضب الشديد والاضطراب والانفعال هذا المسؤول عن وقاره واتزانه وصبَّ جام شتائمه وثقل سخطه على هؤلاء المغرِّدين الَّذين «لا يفقهون شيئًا» ولا «يدركون حجم التحدِّيات» ولا يعون «الجهود الَّتي تُبذل، والإنجازات الَّتي تتحقق»، ولا «يكلِّفون أنفسهم عناء السؤال والبحث عن الحقائق...». حاول هذا الصَّديق تهدئته وثنيَه عن الردِّ، بحجة أنَّ هذا الفضاء الإعلامي الإلكتروني يجذب للمشاركة فيه الصغار والكبار، النساء والرجال، المتعلمين والجهلة، مَن يكتب باِسْمِه، ومَن يتخفى وراء كنى مجهولة، وقد يكُونُ المقصد استدراج المؤسَّسة والمسؤول للدخول في مهاترات الردود، والوقوع في شراك ما لم يحسب له حسابه، والتورط في غفلة لن ينتبه لها إلَّا بعد فوات الأوان. وإن كان لا بُدَّ من الرد فيَجِبُ أن يصاغ في أجواء هادئة ولقاء تغلب فيه الحكمة وبُعد النظر... ولكن المجموعة المقرَّبة من هذا المسؤول أبَتْ إلَّا أن تلقنَ هذا المغرِّد «درسًا لا ينساه»، محققين رضاه، سائرين خَلْفَ ما يريده، منفِّذين رغباته، متطلعين إلى تحقيق منفعة ما، من ورائه، مدَّعين أنَّهم مخلصين لشخصه، ولا يقرُّ لهم قرار إلَّا بالدفاع عنه، وإعطاء كُلِّ مَن يمسُّه ويشكِّك في إنجازاته وقراراته وسياساته، درسًا لن ينساه... فجاء الردُّ هزيلًا، ضعيفًا تندر عليه المُجتمع لأيَّام في وسائل التواصل، وهذه هي مشكلتنا العويصة.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]