مع إشراقة الذكرى السادسة لتولِّي حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحُكم بالبلاد، جاء إطلاق خطَّة التنمية الخمسيَّة الحادية عشرة (2026–2030) ليحمل دلالات سياسيَّة واقتصاديَّة عميقة، تتجاوز كونها وثيقة تخطيطيَّة إلى كونها حلقة محوريَّة في مسار تجديد النهضة المباركة، فضلًا عن أنَّها استكمال عملي لمسارات تنفيذ رؤية «عُمان 2040».
لقد جاءت الخطَّة الجديدة على أعتاب اكتمال تنفيذ الخطَّة الخمسيَّة العاشرة، الَّتي تجلَّت ملامح نتائجها في مختلف القِطاعات الاقتصاديَّة الماليَّة والاجتماعيَّة والمؤسَّسيَّة، وهو تزامن يعكس درجة عالية من الانضباط في التخطيط والتنفيذ، ويؤسِّس لمرحلة أكثر طموحًا في إدارة التحوُّل الاقتصادي والاجتماعي الَّذي تشهده سلطنة عُمان.
وتتميز الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة بتبنِّيها آليَّة تنفيذ مَرِنة تقوم على ثلاثة برامج عمل متتابعة، يبدأ أوَّلها عام 2026 حتَّى عام 2027، ثم برنامج ثانٍ للفترة (2028–2029)، ويُختتم ببرنامج ثالث في عام 2030، وذلك في إطار منهجيَّة مرحليَّة تعكس وعيًا بأهميَّة التكيُّف مع المتغيِّرات الاقتصاديَّة والماليَّة، في حين أنَّها تمنح صانعي القرار قدرة أعلى على المراجعة والتقويم والتصحيح إذا ما اقتضت الحاجة إلى ذلك.
وفيما تضع الخطَّة في صميم أولويَّاتها مواصلة بناء اقتصاد متنوع مستدام، وتعزيز الإيرادات غير النفطيَّة بما ينسجم مع التوجُّه الاستراتيجي لتقليص الاعتماد على النفط كمصدر رئيسٍ للدخل، فيبرز في هذا السياق استهداف تحقيق معدَّل نُمو اقتصادي بنَحْوِ (4%) بالأسعار الثابتة، وهو هدف في مضمونه يعكس مزيجًا من الطموح والواقعيَّة، خصوصًا في ظل التحدِّيات العالميَّة المتوقعة والَّتي كثيرًا ما يضعها المخططون الاقتصاديون في حساباتهم.
كما تؤكد الخطَّة التزامها بنهج الاستدامة الماليَّة عَبْرَ الحفاظ على مستويات الدَّيْن العام ضِمن الحدود الآمنة؛ ممَّا يُعزِّز من متانة الماليَّة العامَّة خلال السنوات المقبلة، ويزيد من ترسيخ ثقة المؤسَّسات الدوليَّة والمستثمرين في الاقتصاد العُماني. كما يتناغم كُلُّ ذلك العمق في الرؤى القائمة عليها الخطَّة الجديدة مع اهتمام واضح بتعزيز التنمية الاجتماعيَّة، ورفع كفاءة سوق العمل، وتوسيع فرص التشغيل بما يَضْمن انعكاس مستويات النُّمو الاقتصادي على جودة حياة المواطنين والمُقِيمين.
وفي السياق نفسه لا تقلُّ محاور الاستدامة البيئيَّة والحوكمة والكفاءة المؤسَّسيَّة أهميَّة عن الجوانب الاقتصاديَّة المذكورة أعلاه؛ إذ تُمثِّل هذه العناصر ركائز أساسيَّة لأيِّ تنمية مستدامة طويلة الأمد، علاوةً على إيلاء اللامركزيَّة الاقتصاديَّة اهتمامًا خاصًّا؛ باعتبارها أحد ملامح التحوُّل اللافتة في الخطَّة وذلك عَبْرَ تمكين المحافظات من أداء دَوْر أكبر في التنمية والتطوير بما يسهم في تحقيق تنمية متوازنة وشاملة على امتداد الجغرافيا العُمانيَّة.
كما حظي احتساب سعر النفط عند «60» ستين دولارًا أميركيًّا للبرميل باهتمام خاص من المراقبين الاقتصاديين، الَّذين يَرَون فيه تقديرًا ذكيًّا سيتيح لسلطنة عُمان تحقيق وفورات محتملة في حال ارتفاع الأسعار، خصوصًا في ظل المتغيرات الجيوسياسيَّة العالميَّة الَّتي قد تدفع بأسعار النفط إلى مستويات أعلى ممَّا هي عليه.
وعليه ووفْقَ قراءة شاملة لمرتكزات الخطَّة الحادية عشرة يتضح للمتابع بأنَّها ليست مجرَّد استمرار لما سبقها من خطط خمسيَّة اقتصاديَّة، بل تشكِّل نقلة نوعيَّة مواصلةً النُّمو والتطوُّر في البلاد، وتبعث برسائل طمأنينة وأمل للمُجتمع بأنَّ سلطنة عُمان تمضي قُدمًا بثبات نَحْوَ مستقبل أكثر تنوعًا واستدامة وازدهارًا، تحت القيادة الحكيمة لجلالة السُّلطان المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»