الأحد 11 يناير 2026 م - 21 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : قيادة حكيمة تتحرك بثبات

السبت - 10 يناير 2026 02:43 م

رأي الوطن

30


تسلَّم حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحُكم في لحظة عالميَّة غير اعتياديَّة، لحظة كانت فيها المنظومة الدوليَّة بأكملها تُعِيد تعريف نفسها تحت ضغط أزمات متراكبة لم يشهدْها العالم الحديث بهذا التزامن؛ فهناك جائحة صحيَّة شلَّت الاقتصادات، واضطراب حادٌّ في سلاسل الإمداد، ناهيك عن تقلُّبات عنيفة في أسواق الطاقة، وتصاعد غير مسبوق في التوتُّرات الجيوسياسيَّة، كُلُّها عوامل جعلتْ إدارة الدول أقرب إلى قيادة سفينة وسط بحر هائج تتلاطم أمواجه بلا خرائط جاهزة، سوى نهضة عُمانيَّة راسخة تمتلك قواعد ثابتة. لكن لم يكُنِ التحدِّي عُمانيًّا خالصًا؛ فقد كان اختبارًا لقدرة هذه الدَّولة الحديثة على حماية توازنها الدَّاخلي، ومنع انتقال عدوى الارتباك العالمي إلى المُجتمع والاقتصاد معًا، حيثُ شكَّل العبور الآمن من لحظة انتقال سياسي حسَّاسة إلى حالة استمراريَّة مستقرَّة، وتجديد عهد النهضة المباركة في ذروة هذه العواصف الدوليَّة الإنجاز الأوَّل والأعمق في مسار النهضة المُتجدِّدة، حيثُ أُديرت الدفَّة بعقلٍ هادئ، دُونَ اندفاع أو ارتباك، وبمنطق يضع تثبيت الدَّولة قَبل تسريعها، ويحمي المنجز الوطني قَبل المغامرة به.

ونحن في العام السادس لتوَلِّي جلالة القائد المُفدَّى أبقاه الله ـ مقاليد الحُكم في البلاد، تتضح ملامح النهضة المُتجدِّدة بوصفها نهج حُكم متكاملًا. وعلى الرّغم من الظروف لم يتَّجه جلالته إلى التعامل مع الأوضاع كاستجابة ظرفيَّة لتحدِّيات طارئة.. فخلال هذه السنوات، قاد جلالة السُّلطان المُعظَّم مسار الدَّولة بمنطق إدارة التوازنات الدقيقة، فكانت الأولويَّة لتثبيت البنية المؤسَّسيَّة، وتعزيز كفاءة القرار، وإعادة ضبط العلاقة بَيْنَ الاقتصاد والمُجتمع على أُسُس أكثر استدامة، فلم تنجر القيادة الحكيمة خَلْفَ إغراءات الحلول السريعة أو الخِطابات عالية النبرة، وإنَّما اختارت العمل الصَّامت القائم على قراءة عميقة للواقع المحلِّي والدولي، وهو ما انعكس في سياسات ماليَّة أكثر انضباطًا، وإصلاحات إداريَّة أعادت ترتيب الأدوار داخل الجهاز الحكومي، وحضور اجتماعي واعٍ، يضع الإنسان في قلب المعادلة. وتجلَّت الحكمة السَّامية في التعامل مع الأزمات المتلاحقة بوصفها لحظات اختبار للمنهج لا مبررًا للتراجع، فخرجت الدَّولة أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على تحويل التحدِّي إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، وترسيخ منطق الدَّولة الَّتي تعرف كيف تحمي استقرارها، وتجدِّد أدواتها دُونَ أنْ تفقدَ هُوِيَّتها أو تنفصل عن جذورها الراسخة.

لقد تعامل حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ أعزَّه الله ـ بحكمة ورؤية ثاقبة في إدارة الملف الاقتصادي والاجتماعي كأحَد أكثر اختبارات النهضة المُتجدِّدة تعقيدًا، حيثُ تعاملت القيادة مع الاقتصاد بوصفه أداةً سياديَّة لحماية الاستقرار، لا ساحة سباق أرقام أو استعراض معدَّلات نُمو؛ فقد جاء ضبط الماليَّة العامَّة ضِمن رؤية أشمل تستهدف صون التوازن الاجتماعي قَبل تحقيق المكاسب، وإعادة بناء الثقة بَيْنَ الدَّولة والسوق دُونَ إخضاع أحدهما لمنطق الآخر.. واستمرَّت مسارات التنويع الاقتصادي رغم الضغوط العالميَّة، وتقدَّم ملف الاستثمار على أساس انتقائي يُوازن بَيْنَ الجذب والاستدامة، بَيْنَما حظيَتْ منظومة الحماية الاجتماعيَّة بمكانة مركزيَّة؛ باعتبارها خطَّ دفاعٍ استراتيجي يحمي المُجتمع من ارتدادات الأزمات الخارجيَّة، ويؤسِّس لاقتصاد أكثر قدرة على الصمود. فهذا النَّهج السَّامي عكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، حيثُ تُدار الدول في زمن الاضطراب بعقلٍ يحسب المخاطر قَبل الطموحات، ويقدِّم تماسُك الداخل شرطًا أوَّليًّا لأيِّ انطلاق اقتصادي، وهو ما رسَّخ صورة عُمان كدَولةٍ تعرف كيف تحمي استقرارها وهي تُجدِّد أدوات نهضتها بثقة واتزان.

إنَّ تجربة النهضة المُتجدِّدة في عهد جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ ستظلُّ لحظة فارقة في التاريخ العُماني، وصفحة بيضاء تُشكِّل نموذجًا لقيادة الدَّولة في زمن التحوُّلات الكبرى، حيثُ لا تُقاس الإنجازات بضجيج الإعلان عنها، وإنَّما بقدرة الدَّولة على البقاء متماسكة، واضحة الاتِّجاه، واثقة في مسارها رغم تبدُّل المشهد الدّولي من حَوْلِها. لقد أثبتت هذه السنوات أنَّ الحكمة في الحُكم تكمن في إدارة التوازن بَيْنَ الوفاء لإرثٍ راسخ، والجرأة الهادئة على التجديد، دُونَ قطيعة أو اندفاع، خصوصًا وأنَّها جاءت في مرحلة عالميَّة حرجة، وفي عالم يتآكل فيه اليقين، وتنهار فيه نماذج جاهزة، اختارت عُمان أنْ تمضي بطريقتها الخاصَّة، تحكم بعقل دولة، وتُجدِّد نهضتها المباركة بأدوات عصرها، محافِظةً على استقرارها الدَّاخلي ومكانتها الدوليَّة في آنٍ واحد. وهكذا، يغدو يوم تولِّي مقاليد الحكم الميمون تأكيدًا لمسار وطني متصل، لا يحتفي باللَّحظة بقدر ما يُراكِم المعنى، ويُجدِّد الثقة في دولة تعرف متى تتقدم، ومتى تثبت، ومتى تكتفي بأنْ تكُونَ ثابتة في زمن العواصف، بقيادة وطنيَّة تعرف قِيمة الوطن وتعمل على بناء المواطن، وتراه حجر أساس لمشروع نهضوي متواصل، تتكامل فيه الأدوار ويعلو به بنيان الوطن.