الخميس 08 يناير 2026 م - 18 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

من هدي النبي صلى الله عليه وسلم «وفاؤه»

الأربعاء - 07 يناير 2026 12:50 م


إن الوفاء خلق سامٍ وأدب نبيل وفَّى به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع ربه، ومع زوجاته، وصحابته، وأمته، حتى أعدائه، والوفاء خلق رفيع يدخل في كل الأخلاق الحميدة، نستمد منه جمال العلاقات وثباتها، ونتلمس فيه النور والهدى؛ حتى نبصر الصراط المستقيم، قال الله جل وعز في كتابه المحكَمِ المبين واصفا نبيه إبراهيم أبا نبينا الأمين:(وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)، قال القرطبي:(وفَّى) بالتشديد أي: قام بجميع ما فرض عليه فلم يخرم منه شيئًا.

وخلق الوفاء خلق يمثل من مظاهر الرقي الحضاري، فهو يبث المحبة بين الناس، ويعمق العلاقات بنهم، ويؤمن توادهم، وكل ذلك يضاعف مستوى التحضر إلى أوج مراتبه النبيلة، فالوفاء يضمن دوام واستمرارية مساعدة الناس لبعضهم البعض.

مفهوم الوفاء:

الوفاءُ ضد الغَدْر، يقال وَفَى بعهده وأَوْفَى إذا أتمه ولم ينقض حفظه، والوفاء: حفظ للعهود والوعود، وأداء للأمانات، واعتراف بالجميل، وصيانة للمودة والمحبة، وأما الإخلال بهذا الخلق يعد من الجهل والتأخر والتخلف، فينتج منه خلف العهد وتأخر المواعيد وضياع الأعمال، وتلاشي المسؤوليات، وقد وجهنا القرآن الكريم إلى الوفاء بالعهود، وحذرنا من ضياعه وأننا سنسأل عنه أمام الله:(وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء ـ 34).

ومن بالغ وفائه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ويحسب كذلك في تواضعه أنه قام يخــدم وفـدًا جاء مـن عنـد النجاشي ملك الحبشة، فعزّ ذلك على الصحابة وقالوا له: نكفيك يا رسول الـلـه. فما رضي منهم، وإنما قال: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافئهم.

أهمية الوفاء:

1 ـ فيه ضمان للجنة:(اضمنوا لي ستًّا أضمن لكم الجنّة: اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا عاهدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، احفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم) (رواه أحمد والبيهقي).

2 ـ الوفاء من صفات المؤمنين:(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (المعارج ـ 32)، (المؤمنون ـ 8).

3 ـ نيل مديح الرحمن، من قوله:(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) (البقرة ـ 177).

4 ـ صفة الأنبياء للاقتداء بهم، قال تعالى عن إبراهيم:(وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (النجم ـ 37)، وذكر عن اقتداء ولده إسماعيل النبي به:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا) (مريم ـ 54)، لذلك اقتدى بهم حفيدهم نبينا.

5 ـ من مظاهر الرقي الحضاري: فالشعوب التي تحترم وفاءها هي شعوب متحضرة ومتقدمة وناجحة في تعميق العلاقة بين أفرادها سواء في الشأن المجتمعي أو الوظيفي، وأما التي لا تحترم الوفاء بعهودها أو وعودها فهي شعوب متخلفة وفاشلة.

مواقف نبوية:

يتجلى لنا وفاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في صور كثيرة منها:

1 ـ وفاؤه لربه: كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفيًّا أمينًا مع ربه، فقام بالطاعات والعبادات خير قيام، وقام بتبليغ الناس ما أمره به الله، امتثالًا لقوله تعالى:(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل ـ 44)، قال عن نفسه:(ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئًا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه) (رواه البيهقي)، وجاء في المستدرك للحاكم عن ابن مسعود أنه قال:(ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه).

2ـ وفائه لأقاربه:(عمه أبو طالب، وأمه حليمة نموذجًا) ومنهم عمه أبو طالب، ومن وفائه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه كان حريصًا على إسلام عمه أبي طالب حتى وفاته، لما قام برعايته منذ صغره حتى شبّ، فلزمه حتى كان على فراش الموت، يحرضه على النطق بالشهادتين وقلب عمه مصدق بهما وجعل يقول له: يا عم، جزيت خيرًا كفلتني صغيرًا حضنتني كبيرًا فجزيت عني خيرًا عماه.. أعني على نفسك بكلمـة واحدة أشفع لك بها عند الـلـه يوم القيامة.. يا عم، إنك أعظمهم عليّ حقًّا، وأحسنهم عنـدي يــدًا، ولأنـت أعظم حقًا عليّ مـن والدي، فقل: لا إله إلا الـلـه. كلمة أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. ومن وفائه لأرحامه أنه وفّى امه من الرضاعة حليمة السعدية جزاء إرضاعها له، وتربيتها له في أول عمره، فأكرمها من خلال إكرامه لابنتها الشيماء التي هي أخته من الرضاع، أكرمها يوم انتصاره في حنين، فاستقبلها خير استقبال وفرش لها عباءته لتجلس عليها، وأطلق جميع السبايا (الأسيرات) لأجل الوفاء بحقها.

سامي بن محمد السيابي 

 كاتب عماني