الخميس 08 يناير 2026 م - 18 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

الديمة الوطفاء فـي تفسير بعض مرائي الإسراء «1»

الأربعاء - 07 يناير 2026 12:40 م
10


كُلَّمَا هَلَّ هِلَالُ شَهْرِ رَجَبٍ الْفَرْدِ، وهو من الأشهر الحرم التي لها سماتها، وخصائصها، وحرمتها، وقيمتُها، ومكانتها، وهي أربعة أشهر، ثلاثة أشهر متتالية، هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد مفرد وحده، هو شهر رجب.

فكلما هَلَّ الشهرُ الْأَصَبُّ ـ شهر رجب ـ يتذكر تلك المرائيَ الكريمةَ التي رآها الرسولُ الكريمُ، واستفسر عنها جبريلَ ـ عليه السلام ـ فكان يفسِّرها له، ويوضِّح آثارها الاجتماعية، والفردية على الأسرة المسلمة، وعلى المجتمع الإسلامي، والأمة المسلمة بأسرها، وآتت أكلها في مجتمعات المسلمين، وأفدنا منها جميعها، وعدلت مسيرتنا، وصَحَّحَتْ خطونا، وطريقنا.

وهي مَرَاءٍ تشملُ الجانب الإنساني الفردي (على مستوى الإنسان)، والجانب الاجتماعي كله (على مستوى المجتمع، والأمة)، وتحتاج إلى فَكِّ رَمْزِيَّتَهَا، وفَكِّ شَفْرَتَهَا؛ لكي يفيد منها مجموع الأمة، وتنعكس إيجابيًا على حياة الفرد، والمجتمع كما أفاد منها رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته الكرام، والتابعون، وتابعوهم إلى يوم الدين، ويُمسِي معها وفي إطار فهمها، وتداول غاياتها المجتمع المسلم، وأسره الكبيرة، والصغيرة، وأفرادُه يكونون على وَعْيٍ بها، وذكر لها، بإذن الله.

أولًا ـ المرئيات ذات الأثر الاجتماعي (على المجتمع، والأمة):

ونبدأ بتفسير المرئية الأولى، وهي ما رُوِيَ من أنَّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ رأى في رحلة المعراج رجُلا يجمَع حزمةً من حطَب عظيمة، لا يقوى على حملها، وتنوء بهن وينوء بثقلها، ولا يستطيع أنْ يحملها بشكل صحيح، لكنه يزيدُ عليها حطبًا جديدًا، فلمَّا سأل جبريلَ ـ عليه السلام ـ عنها وعن تفسيرها، أجابَه بقوله:(هذا الرجل من أمَّتك تكون عنده أماناتُ الناس، لا يقدر على أدائها، ويريد أنْ يتحمَّل عليها)، أي يأخذ أمانات أخرى جديدة فوق الذي عليه.

هذه حقيقة، فكثيرًا ما نرى شخصًا يقترض، ولكثرة حوائجه يزيد اقتراضُهُ، ولا يمكنه ـ مع جهده ـ أن يسدد قروضه، ولكنه يعاود الاقتراض، ولا يربط بين وقت التحمل، ووقت الأداء، فيزيد قروضه، ويتحمل فوق طاقته، وتراه يصرف القروض في أمور لا تُعَدُّ ضرورية، بل هي كمالية، ويمكنه الصبر عنها، أو تأجيلها؛ حتى يسدد ما عليه للناس، فيكبر الدَّيْنُ كِبَرًا يقعده عن الأداء، ولا يمكِّنه من الدفع مع مطالبات الناس الذين اقترض منهم، وكان يمكنه ألا يقترض؛ حتى يسدِّد ما اقترضه من قبلُ، ولكن عقله، وفهمه يدفعه إلى شراء ما يمكن الاستغناء عنه، فيقلُّ الدَّيْنُ كلما سدَّد جزءا منه، ويلزم أن يساعده من حوله مِنْ أهله، وزوجته، وأولاده، وأقاربه؛ حتى يتحلل من الدين، دفعًا له، أو استسماحًا من صاحبه أن يترك له جزءًا منه تجود به نفسه، وفي مثل تلك الحال يمكن لبعض الأثرياء مِمَّنْ وصلتهم فَاقَتُهٌ، وحاجته أن يتحمَّلوا عنه بعضًا منه؛ ليتمكن من دفعه كله إلى أهله؛ التزاما بقوله تعالى:(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها..)، وعليه أن يجلس إلى الدائن، ويبصِّره بجدولة الدفع، ويطلب إليه أن يسامحه في التأخير، وعليه أن يُعَجِّلَ بقضاء ما عليه في حياته؛ حتى لا يعرض نفسه للمساءلة الإلهية، وإذا كان مريضًا مَرَضًا يشعر معه بِدُنُوِّ أجله، فعليه أن يجمع أولاده، وأن يكتب ما عليه من الدين لأصحابه، ويخبر أولادَه أن يدفعوه من التركة قبل توزيعها، ويُمْليه بنفسه عليهم، ويعرفهم بأصحابه، ويطالبهم بإعادة أموال الدائنين إليهم؛ حتى يكون قد أخلى مسؤوليته، ويبلغ الدائن بما فعله، ويمكنه أن يُحْضِرَهُ إلى بيته في وجود المَدِين، وأولاده، وأن يُقِرَّ بِدَيْنِهِ أمامهم للدائن؛ حتى تمضيَ الأمور على بينة، ونور، ويَضْمَنَ الدائنُ عودة ماله إليه، ولا يتعب بعد وفاة المدين، وفي محاولة إثبات حقه بصعوبة بالغة، وبطرق صعبة عليه، لكن لو تَمَّ ما قلتُه في حياته لاستراح في قبره، وأراح، ونال حقه وافيا مستكملا، ولَسَعِدَ الدائنُ بفعل المَدِين، وما امتنع الناس عن إقراض أحد سواء أداه في حياته، أم أدَّاه ورثتُه من تركته بعد مماته، ويكون المجتمع آمنًا، مستقرا، مُوَطَّدَ الأركان، قويَّ البنيان، وتكون علاقة الناس ببعضهم علاقة أخوة جادة، ولا يخشى مُقْرِضٌ (دائنٌ) من مُقْتَرِضٍ (مَدِينٍ)، ولمضت حيواتُ الناس في يسر، وسلالة، وحق، وعدل، وتعاون الناس فيما بينهم، وسرتْ أمورهم بكل أخوة. وتأتي المرئية الثانية التي تتصل بموضع مُهِمٍّ جدا، ويتصل بالقوة المالية لأمة الإسلام، وهي المسألة المتعلَّقة بالزكاة المفروضة، التي يستَهِينُ بها الناسُ اليومَ، ويتهربون منها؛ زعما منهم بأنهم قد (دفعوا الضرائب)، مكتفين بذلك، تارِكين دَفْعَ الزكاة إلى مستحقِّيها، وإخراجها إلى أهلها، فقد رأى الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في تلك المرئية الثانية أن قومًا على أقْبالِهم رِقَاعٌ، وعلى أدْبَارِهِمْ رِقَاعٌ، يسرَحُون كما تسرح الإبل، والغنم، ويأكُلون الضَّرِيعَ (وهو اليابس من الشوك)، والزَّقُّومَ (وهو ثمرُ شجرٍ مُرٌّ له زَفْرَةٌ؛ أي: شجر من النار، وهو المذكور في قوله تعالى:(إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) (الصافات ـ 64)، وهم يَأكُلون من رضف جهنم (أي: حِجاراتها المُحْمَاة)، فلمَّا سأل الرسولُ جبريلَ ـ عليه السلام ـ عن تفسيرها، قال:(هؤلاء هم الذين لا يُؤدُّون الصدقاتِ المفروضةَ عليهم في أموالِهِمْ).

نعم، يستحقون أن يعامَلوا بتلك الطريقة الأليمة؛ لأنهم ـ بعدم دفعهم الزكاة ـ يتركون الفقراء، والمحاويج في المجتمعات الإسلامية يهيمون على وجوههم، فقراءَ، يلبسون الرِّقَاع من الملابس، ويمضون على وجوههم يتكففون الناس، هذا يعطيهم، وذاك يمنعهم، ولا يجدون ما يَسُدُّ جوعتَهم، وينهضُ بحاجتهم، يقفون على كل باب، ولا يجدون إلا الخشن من الطعام، والقليل من الشراب، والمُمَزَّق من الثياب، وتظهر سَوْأة المجتمع؛ لكثرة هؤلاء الفقراء الذين أظهرهم بخل الناس بدفع الزكاة المفروضة في مال الغني للفقراء، فهي تشريع لا مِنَّةَ من أحد، وهي حق لازم للفقير، يمكنه فيه أن يقاضيَ الغنيَّ، وعلى أهل الحَلِّ والعَقْدِ، وَمنْ بيدهمُ الأمرُ في مجتمعات الناس أن يجتمعوا، وينظروا في شأن هؤلاء المُعْوَزين، وأهل الفاقة، والمحتاجين، وتنشأ لهم لجنة، أو شيء من هذا العمل، وتنهض بحاجتهم، وتقوم على شأنهم، وتلبِّي مطالبهم، ونعلم أنه (في المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ)، فإذا زاد احتياج المجتمع إلى مزيد من المال للنهوض بحاجات أولئك المعوَزين نَهَضَتِ الصدقاتُ إذا لم تقم الزكوات فيها بحاجاتهم، ولم تسعفهم للقيام بمتطلباتهم، وقصُرَتْ دونها.

وهذه المرئية ـ إذا تَمَلَّيْنَاهَا، وعشنا في معناها ـ ارتعبنا من منظرها، واضطربنا من صورتها؛ إذ إن مآل المجتمع الذي لا يدفع الزكاة، ولا يحض على جمعها يتحمل ضراوة تلك الشريحة الكبيرة، وآثارها المدمِّرة للأخضر، واليابس، والطارف والتليد؛ لأن الفرد إذا لم ما تُسَدَّ جوعه، وتسكتْ مطالبُ بَطْنِهِ، ومشاربُ حلقه فلا تتوقع منه إلا مزيدًا من التعب، أو يضطر إلى السرقة، والقتل، والسلب، والنهب، وهو ما حدا بعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن يُوقِفَ حَدَّ القصاص في قطع يد السارق (في عام المجاعة)؛ لأن السارق يسرق ليأكل فقط، لا ليختزنَ، ويكدِّسَ طعامًا، ومالًا، فاستحق الأثرياءُ مانعوُ زكواتِهم من هذا المصير الوارد في المرئية على خطورته؛ لأنه يمثل صنيع الفقير، ومروره بكل من يقابله استجداءً، وسيرًا وراء الواجدين، وهَيْمًا بين هؤلاء وهؤلاء لفاقتهم، وشدة أوضاعهم، وقسوة حياتهم، والله يرقِّق قلب الأغنياء؛ لدفع ما عليهم للفقراء، وهو حق لا تفضل فيه، ولا يجوز المن به على آخذه ،أو من كان نصيبه منها، وهو معروف لديك؛ تحقيقا لقوله تعالى:(لا تبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى..) الآية.

فأيُّ صدقة، أو زكاة تخرج في هيئة المن، والأذى، وتُرِيقُ ماءَ وجهِ آخذها تُعَدُّ باطلةً، لا ثواب لها بسبب هذا المَنِّ، وذاك الأذى الذي يلحقه المعطي بالآخذ، وبسبب إحراجه، وتذكيره بفقره، وعَوَزِهِ، ومد يده، وأنه مَحَلُّ أخذ لا عطاء.

وأما المرئية الثالثة فهي التي تخصُّ، وتتحدث عن آكِلي أموالِ اليتامى، وخُطورة عاقبتهم، وفَداحةِ مصيرِهم، حيث رأى الرسولُ الكريم ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ رجالًا لهم مَشَافِرُ كمَشافر الإبل (يعني: شفاهًا كَشِفَاهِ الإبلِ)، وفي أيديهم قطعٌ من نار كالأفهار (وهي الحجارة التي كلٌّ واحدٍ منها مِلْءُ الْكَفِّ)، يَقذِفونها في أفْواههم، فتخرُج من أدبارهم، فلمَّا استفسر الرسولُ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن طبيعة تلك المرئيَّة أجابَه جبريل ـ عليه السلام ـ بقوله:(هؤلاء أكَلَةُ أموال اليتامى ظُلمًا).

نعم، أكلوا مستحقات الصغار الذين مات عائلهم، وهم بعد لا يقوون على مطالب الحياة، وشبعت شفاههم، والتقموا أموالَ هؤلاءِ اليتامى الصغارِ بأفواههم، وشفاههم؛ لأنها الأماكن التي اِلْتَذَّتْ لأكل مال اليتامى الحرام، وهم في الوقت نفسه يلقمون حجارة من نار، في حلوقهم، فتحرقهم، وهي أموال اليتامى، ومضى حتى تخرج من أدبارهم، وتكون قد مَرَّتْ على كل أجهزة الجسم، فَهَتَكَتْهَا، ودمرتها، وأفسدت عملها.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]