منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار فجر التاسع من أكتوبر 2025م، مرَّت ثلاثة أشْهُر والاحتلال ينفِّذ خرق الاتفاق بشكلٍ مستمر، علمًا أنَّ بعض النقاط الرئيسة المجدولة في المرحلة الأولى قد تمَّ تنفيذها وهو ما يتعلق بتبادل الأُسرى، حيثُ أفرجت المقاوَمة عن (21) أسيرًا هم مَن تبقَّى من الأحياء لدَيْها، بالإضافة إلى (27) رفات جثث أسرَى قتلهم الاحتلال أثناء القصف العشوائي والمتعمد على القِطاع، فيما أفرج الاحتلال عن (1968) من الأسرَى الفلسطينيين، منهم مئات من أحكام المؤبدات، وتمَّ انسحاب قوَّات الاحتلال إلى ما يُسمَّى الخط الأصفر، وهو بصيغته يُعَدُّ إعلان انتصار للمقاوَمة الفلسطينيَّة، كما أنَّه وفقًا للاتفاق يستكمل الاحتلال الانسحاب أثناء تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق. أمَّا مسألة دخول المساعدات والوقود فإنَّ الاحتلال لم يلتزم وأعاق دخول الشاحنات المتَّفق عليها في جدول الاتفاق، وقد سبب ذلك معاناة كبيرة على سكَّان غزَّة، لا سِيَّما مع تعرُّض القِطاع لفيضانات خلال الفترة الماضية. واللافت في الأمر أنَّ الاحتلال يواصل عن سبق إصرار وتعمُّد اختراق الاتفاق وتنفيذ غارات وقصف بَيْنَ فترة وأخرى، فزاد عدد الشهداء لِيتجاوزَ (71) ألف شهيد! وهذه الممارسات تكشف عن طبيعة هذا الكيان الَّذي لا يعترف بمفهوم السلام، ويستغل الدَّعم الأميركي للتنصُّل من هذا الاتفاق. وللأسف الشديد، لم تمارس الولايات المُتَّحدة ضغطها ومسؤوليَّتها لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.
لا شكَّ أنَّ الاحتلال يتحمل مسؤوليَّة الإخلال بالاتفاق، وعدم الوفاء بتنفيذ باقي بنود المرحلة الأولى، والدخول في المرحلة الثانية الَّتي تتمثل في الانسحاب إلى الخط الأحمر ثم الانسحاب كُلِّيًّا من القِطاع، ودخول المزيد من المساعدات والوقود الَّذي يكفل الحياة الطبيعيَّة لسكَّان غزَّة، بالإضافة إلى موضوع الإعمار. وهناك مسألة سلاح غزَّة الَّتي عَبَّرَ عنها رئيس حركة حماس في غزَّة خليل الحيَّة أنَّ الحركة لا يُمكِن أن تناقش موضوع الاحتلال طالما بقي الاحتلال. لكن يُمكِن الحديث عن هذه المسألة وآليَّتها بعد تنفيذ بنود الاتفاق وتسليم القِطاع إلى إدارة مدنيَّة (تكنوقراط) وغيرها من النقاط المسجَّلة في خطَّة الرئيس الأميركي ترامب. لكنَّ الاحتلال يتعنَّت ولم يلتزم بالاتفاق، ويتحدث عن تسليم رفات جثة الأسير الأخير ويتلكأ، بل يُفشل بشكلٍ متعمد الدخول في المرحلة الثانية من خلال تعطيل بعض الإجراءات، وكذلك الخروقات المستمرة، وعدم الحديث عن المرحلة الثانية. وكان لقاء ترامب ـ نتنياهو قد تحدَّث عن موضوع سلاح المقاوَمة لكن دون الحديث عن بقيَّة بنود المرحلة الثانية من الاتفاق، وهذا ـ بطبيعة الحال ـ يعني عدم اكتراث من قِبل رئيس حكومة الاحتلال بخطَّة الرئيس ترامب.
اليوم باتَ على الوسطاء (مصر ـ قطر) معاودة تلك الجهود المبذولة بالتنسيق مع الولايات المُتَّحدة لإتمام الاتفاق، ومنع الخروقات الصهيونيَّة، وتنفيذ جدول الاتفاق حسب ما تمَّ الإعلان عنه فجر التاسع من أكتوبر لرفعِ المعاناة عن سكَّان القِطاع، وإصلاح ما دمَّره الاحتلال طوال (25) شهرًا من العدوان على القِطاع وإعادة إعمار غزَّة. لكن يبدو أنَّ العالم أيضًا يشهد تقلَّبات سياسيَّة عالميَّة، وحالة غياب للقانون الدولي، وإخلالًا بالأمن والسِّلم الدولي، فكيف الأمر بكيان محتلٍّ يمارس إبادة الأطفال والنساء والمدنيين العزَّل منذ (77) عامًا؟ ولرُبَّما هناك إرهاصات لحالة جديدة تتشكل في النظام العالمي قد تقلب موازين القوى الدوليَّة؛ ممَّا يضع الاحتلال الصهيوني في أزمة أخرى تُفاقم أزمته الوجوديَّة الَّتي يشعر بها المُجتمع «الإسرائيلي» أكثر من غيرهم، وهي تتعمق أكثر من خلال ذلك النهج الراديكالي المتوحش الَّذي يعتمده مجرمو الحرب في فلسطين المُحتلَّة.
خميس بن عبيد القطيطي