إنَّ تقييم جودة الحياة في أيِّ مُجتمع يتطلب تمييزًا منطقيًّا ومتوازنًا بَيْنَ مستويين متكاملين من القياس؛ أوَّلهما الرفاهيَّة الإحصائيَّة الَّتي تعكسها التصنيفات والمؤشِّرات الدوليَّة المقارنة، وثانيهما الرفاهيَّة المُعاشة الَّتي تتشكل من تفاصيل الحياة اليوميَّة، مثل استقرار الدخل، والأمان الوظيفي، والقدرة على تلبية الاحتياجات الأساسيَّة والتخطيط للمستقبل، ولا تعارض بَيْنَ المستويين بطبيعتهما، بقدر ما تبرز الحاجة إلى قراءة متوازنة تُدرك وظيفة كُلٍّ منهما وحدوده.
في السياق الدولي المعاصر، تُستخدم التصنيفات العالميَّة على نطاق واسع بوصفها أدوات اتصال إيجابي وإدارة للسمعة الوطنيَّة؛ باعتبارها «قوَّة ناعمة» تخدم سمعة ومكانة الدولة، حيثُ تسهم في تعزيز الصورة الذهنيَّة للدول وجاذبيَّتها للسياحة والاستثمار، وتدعم حضورها في الفضاء الاقتصادي والدبلوماسي، وهو ممارسة شائعة ومفهومة في العلاقات الدوليَّة، ويختلف في طبيعته عن التقييم التفصيلي للواقع المعيشي الداخلي، الَّذي يستند عادةً إلى مؤشِّرات أعمق وأكثر ارتباطًا بالسياق المحلِّي، بل ويُبنى من الداخل إلى الداخل ويُقاس بمعايير محليَّة، ولعلَّ وسائل التواصل الاجتماعي أحد المعايير الرئيسة باعتبارها متنفسًا للإنسان في إقليم مُعيَّن.
في الحالة العُمانيَّة، يُلاحظ التقدُّم الَّذي تُحقِّقه سلطنة عُمان في عدد من المؤشِّرات الدوليَّة المرتبطة بجودة الحياة، وهو تطوُّر إيجابي يعكس جانبًا من جهود التنمية وتحسين البيئة العامَّة للعيش. ومن المُهمِّ في هذا الإطار الإشارة إلى أنَّ بعض هذه المؤشِّرات، مثل «مؤشِّر جودة الحياة» الصادر عن منصَّة Numbeo، تعتمد على منهجيَّة تقوم على تجميع بيانات قائمة على إدخالات المستخدمين إلى جانب معلومات يتمُّ جمعها من مصادر مفتوحة، وهو نهجٌ معمول به في العديد من المؤشِّرات المقارنة الَّتي تهدف إلى رصد الانطباعات العامَّة، وتقديم صورة نسبيَّة بَيْنَ الدول.
وضع هذه المؤشِّرات في إطارها المنهجي الصَّحيح لا يُقلِّل من قِيمتها، بل يساعد على فَهْم دلالاتها بدقَّة أكبر؛ باعتبارها مؤشِّرات إدراكيَّة مقارنة، بالمقابل فإنَّها ليست أدوات قياس شاملة يُمكِن الاعتداد بها لقياس وفَهْم أبعاد الواقع المعيشي. ومن هذا المنطلَق، يُمكِن تفسير التباين الَّذي قد يلحظه بعض المتابعين بَيْنَ الترتيب الدولي المتقدم، وبَيْنَ النقاشات المحليَّة المتداولة في الوسط الاجتماعي حَوْلَ تكاليف المعيشة أو ضغوط الدخل أو قضايا التسريح الَّذي يعكس «قلق» الأمان الوظيفي؛ باعتباره اختلافًا لطريقة «القياس» ولا يُمكِن وضعه في خانة التناقض الجوهري، فلكُلِّ من الطرفين معايير وأدوات قياس مختلفة، ولا أقول هنا إنَّه لا يُمكِن الربط بَيْنَها، بل أقول إنَّه لا يُمكِن ربط نتيجة أحدهما كنتيجة طبيعيَّة للطرف الآخر.
ولمزيدٍ من التوضيح، فإنَّه يُمكِن إبراز بعض المؤشِّرات القِطاعيَّة الَّتي يُستأنس بها أحيانًا في النقاش العام، مثل أعداد المسافرين عَبْرَ مطارات السَّلطنة، إذ تُشير البيانات الرسميَّة الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى نُموٍّ ملحوظ في حركة المسافرين، وهو مؤشِّر إيجابي يعكس حيويَّة قِطاعَي النقل والسياحة، ونجاح السياسات المرتبطة بهما، غير أنَّ قراءة هذا الرَّقم في سياقه الصحيح تقتضي النظر إليه بوصفه مؤشِّرًا على النشاط الاقتصادي في قِطاع محدَّد، لا مقياسًا مباشرًا للقوَّة الشرائيَّة أو مستوى الدخل، وهي قراءة تتطلب الربط بَيْنَ عدَّة بيانات مكملة، ناهيكم عن ترابطها مع مؤشِّرات أخرى عديدة مثل الموسم والوجهة والعروض وسبب السَّفر وغيرها الكثير.
كما أنَّ تقييم «جودة الحياة» ووضعه كمرتكز لأيِّ جانب من جوانب القوَّة الاقتصاديَّة لا يكتمل دُونَ الالتفات إلى تطوُّرات سوق العمل، ولا سِيَّما في القِطاع الخاص، حيثُ تشير تقارير سوق العمل الرسميَّة إلى تغيُّرات مستمرة في أنماط التوظيف والاستقرار الوظيفي. وعلى الرغم من أنَّ المؤشِّرات العامَّة لسوق العمل تُظهر مستويات مستقرَّة نسبيًّا عند النظر إليها بصورة كُليَّة، فإنَّ التجربة الفرديَّة لبعض العاملين قد تتأثر بعوامل تتعلق باستدامة الوظائف وطبيعة الفرص المتاحة، وهو ما ينعكس على الشعور بالأمان الوظيفي والتخطيط المعيشي طويل الأمد ومدى استقرار الجانب النفسي للوسط الاجتماعي، وقد تناولت التقارير الرسميَّة الصادرة خلال عامَي 2024 و2025 هذه الجوانب ضمن سياق أوسع لتحليل ديناميكيَّات سوق العمل والتوازن بَيْنَ القِطاعين العام والخاص.
في ضوء ما سبق، تبدو التصنيفات الدوليَّة الإيجابيَّة رصيدًا مهمًّا يُحسب لسلطنة عُمان، سواء على مستوى السمعة الدوليَّة أو في سياق الترويج السياحي والاستثماري، غير أنَّ القِيمة الأعمق لهذه المؤشِّرات تكمن في توظيفها كمدخل لتطوير السياسات العامَّة، وتعزيز التكامل بَيْنَ ما تعكسه الأرقام المقارنة، وما يلمسه المواطن في حياته اليوميَّة. فالتنمية المستدامة، في جوهرها، تقوم على الجمع بَيْنَ الأداء المؤسَّسي الجيِّد، وتحسين التجربة المعيشيَّة الفعليَّة، بما يُعزِّز الثقة ويُعمِّق الشعور بالاستقرار والطمأنينة. والمسألة هنا لا تتعلق بلوم جهةٍ أو تحميل المسؤوليَّات، وإنَّما بأهميَّة الرَّبط الذَّكي والمنطقي، بل الواقعي في تناول هذه المؤشِّرات ووضعها في سياقاتها الصحيحة، لا سِيَّما وأنَّ الاعتماد كما يُلحظ لقياس «المؤشِّرات» يتطور باستمرار؛ رغبةً في تعزيز وتطوير الإنسان العُماني.
المنتصر بن زهران الرقيشي
كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية
مدرب متعاون في تنمية مهارات المدربين (TOT)
@mumtaserzr