الخميس 08 يناير 2026 م - 18 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : تثبيت المسار وبناء المستقبل

الأربعاء - 07 يناير 2026 03:28 م

رأي الوطن

40


جاء اجتماع مجلس الوزراء الموقَّر برئاسة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ لِيضعَ تصوُّرًا شاملًا للمرحلة القادمة، حيثُ جاءت توجيهات جلالته معبِّرةً عن قراءة واعية لمسار الاقتصاد الوطني في لحظة انتقاليَّة دقيقة، تتقدَّم فيها مؤشِّرات الأداء الإيجابي من كونها نتائج مرحليَّة إلى كونها أساسًا لبناء خيارات أكثر طموحًا. فالارتياح السَّامي لِمَا تحقَّق خلال الفترة الماضية يؤكِّد أنَّ ما تمَّ من منجز ما هو إلَّا نقطة انطلاق لترسيخ سياسات الاستدامة الماليَّة وتعزيز البيئة الاستثماريَّة، بما يدعم تنشيط القِطاعات الاقتصاديَّة المختلفة، ويمنح السوق قدرًا أعلى من الثِّقة. وفي ظلِّ اعتماد الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة وميزانيَّة عام 2026، يتضح أنَّ الدَّولة تمضي نَحْوَ إدارة الاقتصاد بمنطق التكامل بَيْنَ المؤسَّسات، وربط الإنفاق العامِّ بمستهدفات تنمويَّة واقعيَّة تجمع بَيْنَ النُّمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. فهذا الاجتماع في جوهره يؤكِّد أنَّ المرحلة المقبلة تَقُوم على تثبيت المسار وتوسيع أثَره، مع إدراك واضح بأنَّ النجاح الحقيقي يكمن في تحويل التحسُّن إلى استمراريَّة، وبناء اقتصاد متوازن قادر على مواصلة النُّمو دُونَ ارتهان لتقلُّبات ظرفيَّة، انطلاقًا من رؤية «عُمان ٢٠٤٠» الطموحة، وجهود التنويع الاقتصادي المأمول.

ويُشكِّل تأكيد مجلس الوزراء على التكامل المؤسَّسي، وتعزيز الشراكة مع القِطاع الخاص؛ باعتباره انتقالًا عمليًّا من منطق التوجيه العام إلى منطق التنفيذ القابل للقياس، حيثُ تُعاد صياغة العلاقة بَيْنَ الدَّولة والسوق على أساس توزيع الأدوار وتكامل الوظائف. وعليه، فإنَّ الحكومة ـ وفْقَ التَّوجيهات السَّامية ـ تضبط الإطار التشريعي والتنظيمي، وتسرِّع مسارات القرار، وتَضْمن استقرار السياسات، فيما يتقدَّم القِطاع الخاص بِدَوْره كمحرِّك استثمار وتشغيل وقِيمة مضافة، وهو ما يضع القِطاعات الاقتصاديَّة الواعدة في صدارة الأولويَّات بوصفها منصَّات خلق فرص عمل حقيقيَّة ونُمو مستدام في الناتج المحلِّي الإجمالي، ويؤسِّس لبيئة أعمال تتجاوز منطق الانتظار إلى منطق المبادرة، كما يعكس هذا المسار فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، حيثُ يرتبط النجاح بقدرة الشراكات على التحوُّل إلى مشاريع منتجة، وخطط تشغيل واضحة، ومؤشِّرات أداء تترجم الطموحات إلى نتائج ملموسة، لِيصبحَ العام 2026 اختبارًا لجودة التنسيق بَيْنَ القِطاعين العام والخاص، وقدرتهما معًا على تحويل الاستراتيجيَّات المعتمدة إلى أثَر اقتصادي واجتماعي ممتد، يرسِّخ الثقة ويُعزِّز تنافسيَّة الاقتصاد الوطني.

ولعلَّ أبرز ما يُحقّق من هذا المنطق تحويل السياسات إلى أدوات إنتاج فعليَّة، هو قرار إنشاء مركز عُمان المالي العالمي الَّذي يكتسب دلالته الأعمق بوصفه خطوة نوعيَّة في إعادة تموضع الاقتصاد الوطني داخل الخريطة الماليَّة الإقليميَّة والدوليَّة؛ ذلك أنَّ المركز بما يتمتَّع به من استقلاليَّة تشريعيَّة وتنظيميَّة وإداريَّة، لا يندرج ضِمن إطار تطوير قِطاع بِعَيْنه، وإنَّما يعكس توجُّهًا استراتيجيًّا لتوسيع قاعدة التنويع الاقتصادي عَبْرَ تعظيم دَوْر القِطاع المالي في الناتج المحلِّي الإجمالي، واستقطاب رؤوس الأموال، ونقل المعرفة، وبناء منظومة خدمات ماليَّة متقدِّمة.. هذا التوَجُّه ينسجم مع فلسفة الشراكة الَّتي جرى التأكيد عليها، حيثُ يوفِّر المركز منصَّة قادرة على جذب المؤسَّسات الماليَّة العالميَّة، والبنوك التجاريَّة والإسلاميَّة، وشركات التأمين والخدمات المسانِدة، ضِمن بيئة قانونيَّة وقضائيَّة مواكبة للمعايير الدوليَّة، كما يتحول القِطاع المالي من دَوْر تقليدي داعم للنشاط الاقتصادي إلى محرِّك نُموٍّ مستقل، يخلق وظائف نوعيَّة، ويُعزِّز تنافسيَّة السَّلطنة، ويمنح مسقط مساحة أوسع للمناورة في اقتصاد عالمي تتزايد فيه أهميَّة الخدمات عالية القِيمة. هكذا يأتي المركز المالي العالمي كحلقة متقدِّمة في سلسلة الانتقال من اقتصاد الفرص المحتملة إلى اقتصاد الفرص المُدارة والمؤسَّسيَّة.

إنَّ البُعد الاجتماعي والتحوُّلي يبرز بالتَّوازي مع هذا المسار الاقتصادي والتنفيذي؛ بوصفه الضَّامن الحقيقي لاستدامة أيِّ نُمو، وهو ما عكسَتْه توجيهات جلالة السُّلطان ـ أبقاه الله ـ بشأن تشخيص المتغيِّرات السلوكيَّة في المُجتمع، ومعالجة تأثيرات التطوُّرات التقنيَّة ومنصَّات التواصل الحديثة. فالدَّولة ـ وهي تمضي بثبات في تحديث أدواتها الاقتصاديَّة والماليَّة ـ تُدرك أنَّ قوَّة المسار تقاس بمتانة النسيج الاجتماعي وقدرته على التكيُّف دُونَ فقدان القِيَم والهُوِيَّة. ومن هذا المنطلَق يتكامل الاهتمام بالتحوُّل الرَّقمي الحكومي وتسريع وتيرته، وتعزيز الاستفادة من تقنيَّات الذَّكاء الاصطناعي، مع الحرص على بناء إنسان واعٍ قادر على توظيف هذه الأدوات دُونَ أنْ تتحولَ إلى عبء اجتماعي أو سلوكي، ويتقاطع هذا التَّوَجُّه مع ملفات التشغيل والتدريب، حيثُ يصبح الاستثمار في الإنسان شرطًا موازيًا للاستثمار في البنية والخدمات، وفي المحصِّلة يعكس الاجتماع رؤية متكاملة لدولةٍ تَبني اقتصادها بعقل مؤسَّسي، وتحمي مُجتمعها بوعي استباقي، وتُدير علاقاتها الخارجيَّة بسياسة هادئة ومتوازنة، لِتقدِّمَ نموذجًا لنُموٍّ متَّزن يجمع بَيْنَ الطموح الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، ويؤسِّس لمستقبلٍ يُراكم المكاسب بدل استهلاكها.