سيذكر التاريخ أنَّه في الثالث من يناير العام 2026 قامت القوَّة العظمى الأولى في العالم بتجاوز القانون الدولي لصالح استراتيجيَّات نفوذها الإقليمي، وذلك بعد أن قامت قوَّة عسكريَّة تابعة للولايات المُتَّحدة الأميركيَّة (دلتا) قامت بإنزال جويّ واختطاف رئيس دولة فنزويلا وزوجته من غرفة نومهما، وعادت معهما إلى نيويورك بأمان وهدوء، وبعدها صدر قرار من واشنطن بـ»إدارة البلد»، ونفطه، وثرواته، وذلك على لسان دونالد ترامب رئيس الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة، الدولة الَّتي تدَّعي أنَّها الراعية الأولى للديمقراطيَّة والسلام في العالم، ليزف خبر إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من منزلهما في كراكاس، ليتمَّ الإعلان دوليًّا عن استخدام دوله لقوَّتها العسكريَّة ضد دولة أخرى مسالمة واغتصابها، وهي ترجمة واضحة إلى استعمال مفهوم «الإدارة» بدلًا من مفهوم «السيادة» وانتصار المشروع الأميركي الَّذي يقدّم للناس وعدًا بـ»الهُويَّة»، حتَّى لو كان على حساب حياتهم ورفاههم، منفذًا عقيدة أو مبدأ مونرو (الَّذي صاغه الرئيس الأميركي جيمس مونرو لسياسته الخارجيَّة في 2 ديسمبر 1823) الَّتي تحوَّلت عَبْرَ التاريخ إلى أداة تبرير للتدخّل في المنطقة، ليستخدم مجددًا كدعوة للتوسع الأميركي من أجل الثروات الَّتي تتمتع بها فنزويلا وعلى رأسها الثروة المعدنيَّة والنفط، والَّذي سيصبح لاحقًا الاستراتيجيَّة المعلنة للأمن القومي الأميركي الَّذي يمتد إلى أميركا اللاتينيَّة ونصف الكرة الغربي بوصفهما امتدادًا حيويًّا للولايات المُتَّحدة، وعن طريقه سيتمُّ الاعتداء مستقبلًا على دول ذات سيادة توضع في أجندة الثروات اللاحقة الَّتي يبحث عنها ترامب بحجة حماية البلاد من تدفق المخدرات إلى أراضيه، وقد استُخدِم (مبدأ مونرو) في عدد من التدخلات في تاريخ سابقة، إمَّا مباشرة عَبْرَ الجيش الأميركي (العراق، أفغانستان، بنما...) أو بشكلٍ غير مباشر عَبْرَ دعم قوى محليَّة في عدَّة دول من نيكاراجوا إلى هايتي. لِنعُدْ إلى التذكير ونهمس في أُذن صانع القرار الأميركي بأنَّ نقاء الغاية ـ إن وجدت ـ يستدعي نظافة الوسيلة، ولا يُمكِن لقضيَّة محترمة أن تنتصر بأسلحة غير نظيفة، حتَّى لو كان الخصوم أضروك اقتصاديَّا كما تدَّعي. فلا ينبغي استخدام أحط الوسائل، وأقذر الأسلحة لانتهاك سيادة دولة، ولا ترتكن إلى نظام دولي فاسد تتحكم في مفاصله.
العمليَّة بَيْنَ البلطجة والقانون الدولي
يدَّعي دونالد ترامب أنَّ الرئيس الفنزويلي سيواجه محاكمة في الولايات المُتَّحدة بتُهم تتعلق بالمخدرات وعمل مع عصابات إرهابيَّة، فيما أعربت الأُمم المُتَّحدة عن قلقها الشديد من العمليَّة، ووصفتها بأنَّها سابقة خطيرة قد تنتهك القانون الدولي وسيادة الدول. ودعا الأمين العام إلى دبلوماسيَّة وحل سياسي وعدم توسيع النزاع، فيما ينص الميثاق التأسيسي للأُمم المُتَّحدة على حظر استخدام القوَّة في العلاقات الدوليَّة إلَّا في حالات الشرعيَّة الدفاعيَّة أو تفويض من مجلس الأمن واحترام سيادة الدول واستقلالها الإقليمي، وحظر التدخّل في الشؤون الداخليَّة للدول. ويؤكد ذلك خبراء ومراقبون ودوائر قانونيَّة أنَّ العمليَّة تطرح أسئلة قانونيَّة حادَّة، خصوصًا أنَّها تمَّت بدون تفويض من مجلس الأمن، ولا يُعتقد أساسًا أنَّ هناك دفاعًا شرعيًّا بموجب الميثاق الدولي، وأنَّ العمليَّة كانت استخدامًا للقوَّة داخل دولة ذات سيادة دون تفويض من مجلس الأمن، ما يشكِّل انتهاكًا واضحًا لميثاق الأُمم المُتَّحدة.
قد لا تكُونُ عمليَّة كراكاس الأخيرة، ورُبَّما لها علاقة بالأحداث القادمة في الشرق الأوسط، خصوصًا وأنَّها جاءت بعد الاجتماع الأخير بَيْنَ ترامب ومُجرِم الحرب ـ حسب حكم محكمة العدل الدوليَّة ـ الـ(نتنياهو) رئيس وزراء الكيان المحتل، وتأجيل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزَّة مع مواصلة الاعتداءات العنصريَّة على أهالي غزَّة والتهديدات المعلنة لبعض دول المنطقة، ممَّا يؤشر أنَّ بترول فنزويلا كان مطلبًا قَبل القيام بأيِّ عمليَّة عسكريَّة قد تؤثر على تدفقات نفط الشرق الأوسط لأوروبا وأميركا، لذا فالتحذير وكل التحذير بالاستعداد لمواجهة صوت وسوط (مبدأ مونرو).
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»