لم يَعُدِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأركان إدارته، ولا نظراؤه في الغرب المستهلك للطاقة، يتهمون منظَّمة الدول المصدِّرة للبترول (أوبك) بأنَّها «تتحكم في أسعار النفط» بتحديد حصص إنتاج لأعضائها. وهي اتهامات لا أساس لها؛ إذ إنَّ (أوبك)، ومنذ عام 2016 مع شركائها في تحالف (أوبك+) تستهدف بالأساس الحفاظ عل توازن العرض والطلب في السوق العالميَّة، وضمان أسعار عادلة، سواء للمنتِجِين والمصدِّرين أو المستهلِكِين. أولًا لأنَّ أسعار النفط منخفضة بالفعل بنَحْوِ النصف عن المستوى العادل المنطقي في ظل التضخم. وثانيًا، لأنَّ أميركا أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم بما يقارب أربعة عشر مليون برميل يوميًّا، ومن بَيْنِ كبار المصدِّرين بأكثر من أربعة ملايين برميل يوميًّا. لكنَّ الأمر لا ينتهي عند توقُّف ترامب وغيره عن انتقاد (أوبك)، بل إنَّ الإدارة الأميركيَّة تستهدف أن تكُونَ اللاعب الأول والأهمَّ في قِطاع الطاقة العالمي.
لا يوافق الرئيس ترامب على أنَّ هناك مُشْكلة تغيُّر مناخي تستدعي إجراءات لمكافحة الاحتباس الحراري لكوكب الأرض بالحدِّ من انبعاثات الكربون. بل إنَّه وبعض حوارييه مقتنعون بنظريَّة مؤامرة بشأن التغيُّرات المناخيَّة هدفها وقف النُّمو الصناعي الأميركي والغربي. لذا، ألغت إدارة ترامب كُلَّ السياسات والبرامج للتحوُّل في مجال الطاقة نَحْوَ مصادر طبيعيَّة خضراء وتشجِّع وتدعم العودة للنفط والغاز. وانسحبت إدارة ترامب من اتفاقيَّة باريس للمناخ لعام 2015. لكنَّ الواقع أنَّه حتَّى خلال إدارة سابقه جو بايدن كانت الولايات المُتَّحدة بدأت في زيادة إنتاج النفط بوتيرة سريعة. ومنذ بدأت حرب أوكرانيا عام 2022 تصاعدت العقوبات على روسيا وفي مقدِّمتها حظر دول أوروبا استيراد الغاز والنفط الروسي. واستفادت كبرى شركات الطاقة الأميركيَّة من ذلك بزيادة صادراتها إلى أوروبا لإمدادها ببديل الطاقة الروسيَّة. وحققت تلك الشركات مئات مليارات الدولارات من تصدير النفط والغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا في السنوات الأخيرة.
تظل أسعار النفط، الَّتي فقدت خمس قِيمتها العام المنصرم، منخفضة تَدُور حَوْلَ حاجز ستين دولارًا للبرميل. لكن ذلك ليس كافيًا لإدارة ترامب الَّتي تريد خفض الأسعار إلى ما دون خمسين دولارًا للبرميل. لن يكُونَ ذلك بالطبع في صالح الشركات الأميركيَّة، خصوصًا الَّتي تعمل في قِطاع الغاز والنفط الصخري حيثُ إنَّ الأسعار المنخفضة تعني تضاؤل هامش الربح أو انعدامه في ظل كلفة الإنتاج. وبالتَّالي فإنَّ سياسة الإدارة الأميركيَّة بإغراق السوق بفائض معروض للضغط على الأسعار نزولًا ستعني خسارة الشركات الأميركيَّة أو على الأقل تراجع عائداتها وأرباحها بشدَّة. لذا تعمل الإدارة الأميركيَّة على أن تكُونَ الزيادة في المعروض العالمي مصدرها الشركات الأميركيَّة وليس المنتجون الآخرون في العالم، على أمل أنَّ الكمَّ سيعوِّض هبوط السعر. من هنا كان استهداف قِطاع النفط الفنزويلي المتردي بسبب العقوبات. فهدف العدوان على كراكاس وتغيير النظام هو فتح قِطاع النفط الَّذي سبق وأمَّمه الرئيس الراحل هوجو تشافيز أمام شركات الطاقة الأميركيَّة. إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكَّد في العالم بما يزيد عن ثلاثمئة مليار برميل. يضاف إليها أكثر من أحد عشر مليار برميل هي الاحتياطيات المكتشفة مؤخرًا في جويانا المجاورة، وإن كان قِطاع الطاقة في جويانا بالفعل تحت هيمنة أكبر شركتين للطاقة وهما إكسون موبيل وشيفرون.
الهدف الأول للإدارة الأميركيَّة من التلاعب بمعادلة العرض والطلب لخفض أسعار النفط هو ضمان انخفاض أسعار الوقود في محطَّات البنزين بالداخل الأميركي. فالقاعدة الانتخابيَّة للرئيس وحزبه بدأت تتململ بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة رغم مؤشِّرات الاقتصاد الكُلِّي الجيِّدة. وهناك انتخابات تجديد نصفي للكونجرس بنهاية هذا العام يخشى أن تؤدي إلى خسارة الحزب الجمهوري الحاكم للأغلبيَّة في مجلس النواب على الأقل إن لم يكُنْ في مجلس الشيوخ كذلك. ومن شأن خفض أسعار الوقود أن يضمن عدم التصويت الاحتجاجي ضد ممثِّلي الحزب الحاكم. أمَّا الهدف الأبعد فهو أن تصبح الولايات المُتَّحدة المتحكم في حركة سوق النفط العالميَّة، سواء عَبْرَ زيادة إنتاجها إلى ما فوق خمسة عشر مليون برميل يوميًّا أو هيمنة شركاتها على الإنتاج والتصدير من دول الكاريبي ورُبَّما دول إفريقيَّة أيضًا على حساب شركات أوروبيَّة تعمل هناك. بالطبع ليست تلك سياسة مضمونة النتائج، ففي النهاية شركات الطاقة الأميركيَّة هي شركات خاصَّة تضع استراتيجيَّاتها على أساس ما يُحقق مصالح مساهميها بِغَضِّ النظر عن السياسات الحكوميَّة أو رغبات ترامب وإدارته. ورغم أنَّ زيادة حصَّة أميركا وشركاتها من الإنتاج النفطي العالمي هي في الأغلب على حساب المنتجين من (أوبك) وتحالفها الأوسع (أوبك+)، إلَّا أنَّ ذلك التحالف يظل صاحب حصَّة مؤثِّرة في جانب العرض من السوق النفطيَّة العالميَّة. ولدى (أوبك) وحلفائها ميزة التنسيق المشترك بشأن سقف الإنتاج في ضوء احتياجات الطلب العالمي. وتلك وإن كانت ميزة إلَّا أنَّها أيضًا سلاح ذو حدَّين؛ إذ تُمكِّن المنتِجِين من خارج التحالف من زيادة حصَّتهم وأيضًا زيادة الإمدادات، ما قد ينتهي بتخمة معروض تضغط على الأسعار نزولًا أكثر. ولعلَّ العام الحالي سيكُونُ حاسمًا بشأن قدرة الإدارة الأميركيَّة على تحقيق أهدافها بالهيمنة على سوق الطاقة العالميَّة.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري