تُمثِّل الميزانيَّة العامَّة للدولة لعام 2026 نقطة انطلاق جديدة في مسار الإصلاح الاقتصادي والتحول الهيكلي الَّذي تتجه إليه سلطنة عُمان؛ باعتبارها أولى ميزانيَّات الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة (2026–2030)، والَّتي أُسّست على مقاربات أكثر واقعيَّة في إدارة الموارد الوطنيَّة وحُسن الاستثمار فيها، وترسيخ الاستدامة الماليَّة، وتعزيز فرص التنويع الاقتصادي. حيثُ قُدّرت الإيرادات العامَّة بنَحْوِ (11.447) مليار ريال عُماني، مقابل إنفاق عام بلغ (11.977) مليار ريال عُماني، وبعجز مالي في حدود (530) مليون ريال عُماني، أي ما يعادل (1.3%) من الناتج المحلِّي الإجمالي، وهو ما يعكس توجهًا إيجابيًّا واضحًا نَحْوَ ضبط الإنفاق والحفاظ على مستويات آمِنة للدَّيْن العام.
واعتمدتِ الميزانيَّة على سعر نفط تقديري يبلغ (60) دولارًا للبرميل، في إدراك واعٍ لتقلُّبات السوق النفطيَّة وضرورة ضبط أثرها على الاستقرار المالي. حيثُ تشير التقديرات إلى أنَّ الإيرادات غير النفطيَّة تُشكِّل ما يقارب (30%) من إجمالي الإيرادات العامَّة، مع استهداف رفع هذه النسبة تدريجيًّا خلال سنوات الخطَّة الخمسيَّة، بما يُعزِّز استقلاليَّة القرار المالي ويقلص الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدَّخل.
ومع ذلك تبقى هذه التقديرات قابلة للتحوُّل والتغيير في ظل الأوضاع السياسيَّة والاقتصاديَّة الَّتي باتت تتحكم في مسار السوق النفطيَّة، لذلك تنطلق قراءتنا لمعطيات الواقع من فرضيَّتين محوريَّتين؛ الأولى تتعلق بكيفيَّة الخروج من عباءة الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، وتقليص تأثيره في رسم سقف التوقُّعات الوطنيَّة والطموحات الَّتي تسعى رؤية «عُمان 2040» إلى تحقيقها. وهو أمر يستدعي جهدًا نوعيًّا وعملًا مبتكرًا وقياس مستوى الجديَّة والمصداقيَّة في تكثيف الجهود لخلق فرص حقيقيَّة للتنويع الاقتصادي، بما يسهم في خروج الاقتصاد الوطني من تبعيَّة النفط ويُعزِّز قدرته على مواكبة المتغيِّرات وبناء اقتصاد قوي ومستدام. أمَّا الفرضيَّة الثانية فتتمثل في كيفيَّة الحفاظ على مستويات إنفاق عام آمِنة ومستدامة تَضْمن استمرار الثقة في قدرة الميزانيَّة العامَّة للدَّولة على تلبيَّة تطلُّعات المواطن وحماية الحقوق وضمان تحقق الالتزام الحكومي خصوصًا ما يتعلق منها بمنظومة الحماية الاجتماعيَّة وحق التعليم والصحَّة والاستقرار المعيشي، مع تبني نهج متوازن وعقلاني، لا سِيَّما في ظل التأثيرات المباشرة للإجراءات الاقتصاديَّة والارتفاع الحاصل في الأسعار وغلاء المعيشة على حياة الناس اليوميَّة.
وفي هذا الشأن، جاءت خطَّة التنمية الخمسيَّة الحادية عشرة (2026–2030)، الَّتي أُعلنت بالتزامن مع ميزانيَّة 2026، كإطار عملي لترجمة هذه التوجُّهات، حيثُ تستهدف رفع مساهمة القِطاع الخاص في الناتج المحلِّي الإجمالي إلى أكثر من (65%)، وتحقيق معدَّل نُمو اقتصادي يتعدى (4%) سنويًّا، إلى جانب توليد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة خلال فترة الخطَّة. كما تركِّز الخطَّة على تنمية القِطاعات غير النفطيَّة، وعلى رأسها قِطاعات الصناعة التحويليَّة، والسياحة، واللوجستيَّات، والاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الرَّقمي، مع تعزيز استمرار تدفُّقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتحسين بيئة الأعمال من خلال تبسيط الإجراءات وتوسيع الشراكات بَيْنَ القِطاعين العام والخاص.
وفيما يتعلق بالإنفاق العام، حافظت ميزانيَّة 2026 على بُعدها الاجتماعي والتنموي المعزّز بإطار اقتصادي واستثماري بما ينتقل من مرحلة الاستهلاك السلبي إلى الإنتاجيَّة والاستثمار وصناعة الفرص، وعَبْرَ تأصيل البُعد الاقتصادي في الثقافة والتعليم والهُوِيَّة والتراث والصناعات الثقافيَّة وغيرها، فإنَّ استحواذ قِطاعات التعليم والصحَّة والحماية الاجتماعيَّة على أكثر من (40%) من إجمالي الإنفاق العام، يقدّم صورة نوعيَّة لبقاء هذا الحقِّ في أفضل حالاته بلا مساس، خصوصًا في ظل ما أفصحت عنه الحكومة من استمرارها في دعم الكهرباء والمياه والوقود واستمرار البرنامج الوطني للدعم، وزيادة الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعيَّة، ودعم برامج الإسكان، وتمكين الشباب، وتحفيز المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، في كونها رافدًا مهمًّا للنُّمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل اللائق، وتعزيز روح المبادرة وحسّ المسؤوليَّة.
وبالتَّالي تعكس هذه المؤشِّرات محاولة جادَّة وصورة أكبر ارتباطًا بالطموح في انتقال الميزانيَّة العامَّة للدَّولة من مرحلة إدارة الأزمات بعد انتهاء العمل بخطَّة التوازن المالي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي متوسط وطويل المدى، الأمر الَّذي يضع الاقتصاد الوطني أمام اختبار حقيقي في الخروج من عباءة الاقتصاد الريعي، عَبْرَ إعادة توجيه الموارد نَحْوَ القِطاعات المنتجة، وتعظيم القِيمة التنافسيَّة المضافة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام. غير أنَّ نجاح هذا التحوُّل يظل مرهونًا بمدى الالتزام الفعلي بتنفيذ مستهدفات الخطَّة الخمسيَّة، وتعزيز الحوكمة الماليَّة، وتفعيل أدوات الرقابة والمساءلة للحدِّ من الهدر في الموارد والمحافظة على المال العام وكفاءة إدارته، وضمان توجيه الموارد بشكلٍ فاعل ومنتج نَحْوَ أولويَّات التنمية الحقيقيَّة.
وبالتَّالي فإنَّ المتوقع من ميزانيَّة 2026 باعتبارها بداية انطلاقة الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشر، وقد استفادت من معطيات الميزانيَّات السابقة وتم ضبطها بما يتوافق مع التوجُّهات والفرادة الَّتي جاءت بها الخطَّة الخمسيَّة بأن تعكس خيارًا استراتيجيًّا لإعادة صياغة العلاقة بَيْنَ الدَّولة والاقتصاد، وتعظيم مسار التكامليَّة والشموليَّة في إدارة الواقع الاقتصادي، يقوم على التنويع والاستدامة والتحفيز المنتج للمبادرة الجادَّة، وتمكين المواطن من أن يكُونَ شريكًا فاعلًا في الإنتاج والاستثمار وصناعة المستقبل. وكُلَّما تُرجمت هذه التوجُّهات إلى سياسات تنفيذيَّة واضحة وأثر ملموس على أرض الواقع، اقتربت سلطنة عُمان من تحقيق اقتصاد متوازن وقادر على الثبات في وجْه المتغيرات.
إنَّ تحويل هذه المعطيات والأفكار إلى واقع عملي يتطلب تبنِّي سياسات وطنيَّة قائمة على إعادة هيكلة الواقع الاقتصادي وتصحيح مساراته وخلق التوازنات في أنشطته، وتحسين مدخلاته وتطوير عمليَّاته، بما يضع المنظومة الاقتصاديَّة أمام مسؤوليَّاتها الأخلاقيَّة والوطنيَّة، في تحقيق معادلة التوازن بَيْنَ تعظيم الاستثمار والحكمة في الموارد والمحافظة على تعزيز الحوافز المنتجة للمورد البشري المواطن ومعالجة هواجس المواطنين فيما يتعلق بالباحثين عن عمل والمُسرَّحِين واستدامة الوظائف والحفاظ على إنتاجيَّة الموظف الحكومي، ويفتح آفاقًا أوسع لمسارات التنويع، خصوصًا في ظل فرادة الموقع الجغرافي الَّذي تتمتع به سلطنة عُمان على خطوط التجارة العالميَّة، وما يوفره ذلك من فرص تنافسيَّة لاستقطاب الاستثمارات والسياحة ورؤوس الأموال.
غير أنَّ جاهزيَّة التحول لن تكتمل إلَّا بوجود حوكمة حقيقيَّة ورقابة فاعلة تتسم بالشفافيَّة والمرونة، وتتبنى صناعة بدائل إنتاج واقعيَّة، وتقنين أوجه الإنفاق، وتفعيل أنظمة المحاسبة والرقابة للحدِّ من الهدر المالي، وهي توجُّهات أرستها رؤية «عُمان 2040» ضِمن أولويَّاتها لتحسين كفاءة الأداء الإداري، وخفض المديونيَّة، وزيادة الدخل، وتحقيق التوازن المالي، وتعزيز استدامة الاقتصاد الوطني.
كما تبرز أهميَّة التكامل بَيْنَ الاقتصاديَّات التقليديَّة، كالزراعة والصناعة، والاقتصاديَّات الناشئة، بما يخلق منظومة إنتاجيَّة متوازنة وقادرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي. تجعل من التنويع وتحفيز الاستثمارات وخلق فرص العمل للمواطنين محورًا رئيسًا لسياساتها، في انسجام مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، ويتطلب ذلك ثورة اقتصاديَّة حقيقيَّة تبدأ من توطين الصناعة والوظائف وتوجيه الاستثمار الأجنبي نَحْوَ دعم المواطن في بناء شركات ومصانع إنتاج، مع تأكيد كفاءة الإدارة وتبسيط الإجراءات وحفز المواطن على طرق فرص بناء مشاريعه الاقتصاديَّة وحماية منتجاته.
ومن هنا، فإنَّ التحدِّي الَّذي تعكسه إيرادات الميزانيَّة العامَّة للدَّولة ـ الَّذي ما زال يعتمد على النفط ـ ينبغي أن يُستثمر باعتباره فرصة للتفكير الاستراتيجي الجادِّ في الانتقال من تبعيَّة النفط إلى تنويع القاعدة الاقتصاديَّة، إذ إنَّ استمرار الاعتماد عليه يحمل تبعات سلبيَّة على منظومة الحوافز والدعم، ويؤكد الحاجة إلى إعادة إنتاج دَوْر القِطاع الخاص وتعزيز ثقافة المبادرة والعمل الحُر، والاعتماد على الذَّات مع تثبيت أنظمة الحماية من الاحتكار والإفلاس.
أخيرًا، فإنَّ هذه المرحلة تفرض البناء على مكتسبات سياسات ضبط الإنفاق ومنع الهدر، وتوجيه الموارد لإنتاجيَّة وحفز المورد البشري، فالخروج من عباءة الاقتصاد الريعي واستثمار الطاقات الكامنة في القِطاعات الوطنيَّة بما يَضْمن استقرار الماليَّة العامَّة ويُعزِّز قدرة الميزانيَّة على تلبية التزاماتها وتطلُّعات المواطن، يتطلب وضوح في الرؤية، وكفاءة في الإدارة، وجاهزيَّة في امتلاك سيناريوهات عمل بديلة، وصناعة الابتكار وتعظيم حضوره في مجريات العمل الوطني وفلسفة الوظيفة العامَّة والقرار الوطني، مع الحرص على عدم المساس باستقرار حياة المواطن وتأطير عملي لمفهوم معيشة المواطن عَبْرَ تحديد مؤشِّر الفقر الَّذي سيصنع الفارق، وعدم التهاون في معالجة مصادر الهدر المالي. فإنَّ تفاؤلنا سيظل قائمًا بإمكانيَّة تجاوز تبعيَّة النفط، في ظل استمرار الإصلاحات في مسارها الصحيح، ومتابعة تنفيذ مسارات الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة بكُلِّ مصداقيَّة والتزام ببلوغ الأهداف والطموحات.
د.رجب بن علي العويسي