الجمعة 09 يناير 2026 م - 19 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : وفاة القانون الدولي

أضواء كاشفة : وفاة القانون الدولي
الثلاثاء - 06 يناير 2026 08:28 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

320

العمليَّة العسكريَّة الَّتي شنَّتها الولايات المتحدة على جمهوريَّة فنزويلا البوليفاريَّة والَّتي قامت على أثرها القوَّات الأميركيَّة باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته داخل أراضي دولتهما، ثم نقلهما للولايات المتحدة لِيواجهَ مادورو محاكمة أمام القضاء الأميركي بتُهم تتعلق بالاتجار بالمخدِّرات والإرهاب، هذه العمليَّة العسكريَّة الَّتي تمَّت خارج إطار الشرعيَّة الدوليَّة كشفت بوضوح عن وفاة القانون الدولي، وسقوط القناع عن نظام قانوني طالَما تباهى بحماية السيادة ومنع العدوان، بَيْنَما في الواقع لا يلتزم به سوى الدول الضعيفة الَّتي لا حيلة لها.. أمَّا الدول القويَّة المهيمنة فهي تعيش بمبدأ شريعة الغاب القوي يأكل فيها الضعيف.

بعد الحرب العالميَّة الثانية عندما صيغ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ومبدأ عدم استخدام القوَّة، واحترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات سلميًّا وغيرها من المبادئ الأخلاقيَّة كان منعًا لتكرار الكارثة.. ولكن مع تفاوت القوَّة بَيْنَ الدول لم يكُنِ القانون الدولي ملزمًا للجميع بالدرجة نفسها، بل أصبح منظومة مَرِنة في يَدِ الأقوياء، بَيْنَما صلبة على الضعفاء.. وفي التدخل العسكري في فنزويلا تتجلى هذه الازدواجيَّة بأوضح صورها.. دولة عظمى تقرِّر منفردة أن تتجاوز مجلس الأمن، وأن تفسر التهديد كما يحلو لها، وأن تمنح نفسها حق القاضي والجلاد في آنٍ واحد.. فحين تطلق الصواريخ باسم الديمقراطيَّة أو الأمن القومي، يتحول القانون الدولي إلى نصٍّ أدبي جميل يستشهد به في المؤتمرات ويدفن عند أول اختبار حقيقي.. لأنَّ القانون الَّذي لا يملك آليَّة إلزام عادلة ولا يطبَّق إلَّا انتقائيًّا هو قانون ميِّت إكلينيكيًّا، وإن ظل اسمه يتردد في الخطب الرسميَّة.

لا يُمكِن القول إنَّ القانون الدولي قُتل على يد القوات الأميركيَّة، ولكن يُمكِن القول إنَّه انتحر بعد عدم تطبيقه بعدلٍ وفقدانه إيمانه بنفسه.. فالقوانين تصدر وتختزل في توصيات، ثم تتراكم على الأرفف أو تُحبس في الأدراج.. والساحة «مجلس الأمن» الَّتي من المفترض أن تكُونَ حارسا للشرعيَّة تحولت إلى مسرح للفيتو الَّذي يقتل العدالة بقرار إجرائي.. فالقانون الدولي يعمل فقط عندما تسمح موازين القوَّة بذلك.. وهنا تتضح المفارقة الكبرى في أنَّ النظام الَّذي وُجد لمنع شريعة الغاب عاد لِيكرِّسَها بصيغة أكثر تهذيبًا مفصَّلًا على مقاس الدول النافذة، وأصبحت نصوصه خيارًا سياسيًّا وليس إلزامًا أخلاقيًّا.

إنَّ نصوص ميثاق الأمم المتحدة الَّتي صيغت بعد الحرب العالميَّة الثانية تحظر استخدام القوَّة، إلَّا في حالات الدفاع المشروع عن النفْس أو بقرار صريح من مجلس الأمن.. والضربة الأميركيَّة لم تكُنْ دفاعًا عن النفْس كما عرفها القانون الدولي ولم تصدر عن مجلس الأمن، بل جاءت بقرار تنفيذي من دولة واحدة.. والعداوة الشخصيَّة بَيْنَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفنزويلي مادورو لا تعطي للأوَّل الحقَّ في اعتقال الأخير داخل وطنه وترحيله مكبَّل الأيدي معصوب العينين.. فهذا أشْبَه بالقرصنة القانونيَّة واختطاف سياسي لأُمَّة بشَعبها ومؤسَّساتها ودستورها.

الغريب هو خطف مادورو أو اعتقاله بالقوَّة على حدِّ قول الأميركان لمحاكمته وفْقَ النظام القضائي الأميركي.. وكأنَّ هذا الفعل جاء ظاهريًّا تحقيقًا للعدالة، بَيْنَما هو في الواقع انهيار للقانون.. فكيف لنظام قضائي في دولة يحاكم زعيم دولة أخرى أجنبيَّة عنه؟

المثير للسخرية والعجب في آنٍ واحد هو تهديد الرئيس الأميركي ترامب لنائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريجيز الَّتي تولَّت مهام الرئاسة بأمرٍ من المحكمة الدستوريَّة العليا في بلادها نيابةً عن مادورو بعد اعتقاله.. حيثُ قال لها ترامب إنَّها قد تدفع ثمنًا أكبر ممَّا دفَعَه مادورو إن لم تفعل ما يريد.. وهو يقصد بالطبع هنا السيطرة على النفط الفنزويلي الَّذي يُعَد السبب الرئيس وراء شن الهجوم الأميركي على الدَّولة البوليفاريَّة.. فترامب يريد أن يُدير آبار فنزويلا النفطيَّة ومواردها الطبيعيَّة الهائلة والتحكم فيمن تباع له من ناحية، والاستفادة من عائدها المادي من ناحية أخرى.

نعلم أنَّ دولًا كانت تعارض مادورو في سياساته الداخليَّة والخارجيَّة، ولكن هذا لا يعني عدم احترام القانون الدولي.. فالأزمة أيًّا كانت لا بُدَّ أن تحلَّ عَبْرَ المسار الدبلوماسي.. والقانون الدولي وسيلة لمنعِ الفوضى وليس زيادتها.. والعدالة الَّتي تتحقق عَبْرَ القوَّة العسكريَّة لا تمتُّ للعدالة بِصِلَة.

لا شك أنَّ قتل القانون الدولي بهذا الشكل يفتح الباب للتفكير ليس في نصوص القانون فقط، بل في منظومة القِيَم الَّتي تقوم عليها العلاقات بَيْنَ الأُمم، وفي تذكير القوى العظمى أنَّ القانون لا يطبَّق وفْقَ هواها، وإلَّا كيف تحتمي الدول الصغيرة؟ وكيف تُحترم السيادة الَّتي صارت سلعة في سوق المصالح الكبرى؟!

إنَّ وفاة القانون الدولي ليس نهاية المطاف.. بل يَجِبُ أن يستمرَّ العالم في البحث عن نظام دولي أكثر عدالة.. خصوصًا أنَّ المأساة ليست خرق القانون الدولي بقدر اعتياد العالم على ذلك، حيثُ أصبح الاستثناء قاعدة والعدوان أداة سياسيَّة، وعلينا أن نتذكر قول رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: «إنَّما أهلك الَّذين قبلكم، أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».. فالعدالة لا يَجِبُ أن تفرِّقَ بَيْنَ قوي وضعيف وإلَّا اختل الميزان.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني