الجمعة 09 يناير 2026 م - 19 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

القرآن الكريم وفن الدبلوماسية بروتوكول وإتيكيت لغة الجسد «1»

القرآن الكريم وفن الدبلوماسية بروتوكول وإتيكيت لغة الجسد «1»
الثلاثاء - 06 يناير 2026 07:30 ص

د. سعدون بن حسين الحمداني

310

إنَّ مهارات لُغة الجسد ودلالاتها ليست حصرًا على الدبلوماسيين والسياسيين والقادة بمختلف المناصب والوظائف، وإنَّما تؤكد أغلب المدارس أنَّ إتيكيت ومهارة الجسد تبدأ من نواة المُجتمع وهي العائلة؛ لذلك بدأت مفاهيم الإتيكيت الاجتماعي تعتمد عليها كثيرًا؛ لِمَا لها من رسائل ذات معانٍ كثيرة، وهي وسيلة غير لفظيَّة تُعَبِّر عن المشاعر والنيَّات والمواقف عَبْرَ مفردات الجسد المختلفة، سواء في بيئة العمل أو بالأحرى بأجندة الإتيكيت الحكومي، أو بالحياة الشخصيَّة اليوميَّة، وهذا ما نلاحظه من خلال تعابير الوجه والعين بعيدًا عن التفوُّه بحرف واحد، وغالبًا تكُونُ أصدق من الكلام. يتفاخر الدبلوماسيون من مختلف المدارس الدبلوماسيَّة الأجنبيَّة حَوْلَ طبيعة بروتوكول وإتيكيت لُغة الجسد والَّتي هي تتألف من: اتصال العيون، حركة اليد، حركة الرأس وانفعالات الوجْه وغيرها؛ لِمَا له الأثر الكبير في إيصال المعلومة إلى المقابل دون تكلُّم أو نُطق، وهي اللُّغة الصامتة. إنَّ الكلام ليس الوسيلة الوحيدة الَّتي نُعَبِّر بها عن أنفسنا، فكثيرًا ما نتحرك، ونُعَبِّر عمَّا نقول بحركات وإيماءات معيَّنة أثناء الحديث مع الآخرين، وتلك الحركات، سواء بالوجه أم باليدين أم بالجسم كُلّه في طريقة الجلوس أو المشي. وبدأت المدارس الغربيَّة تطوِّر هذا الفنَّ وتدرِّسه لكبار الشخصيَّات، وكذلك للكادر التدريسي؛ لِمَا له الأثر الكبير في إيصال المعلومة بصورة أدق وأكثر تأثيرًا، حيثُ كانت المدارس الأوروبيَّة، وخصوصًا البريطانيَّة والفرنسيَّة، تتبارى لتطوير هذا الفنِّ والوصول به إلى أعلى وأرقى المعاني المطلوبة، وكانت بدايته في القرن الماضي، خصوصًا عندما نشر دجوليوس فاست كِتابه عن لُغة الجسد عام1970. بدأت المدارس الدبلوماسيَّة تستخدم لُغة الجسد كوسيلة مستقلَّة لتوصيل الفكرة أو بعض أجزائها لجذبِ انتباه المقابل لِما سيطرح، وأنَّ لُغة الجسد تشمل حركات الجسم وأعضاءه؛ لِيعَبِّرَ عن الحزن والتجهُّم والتبسُّم وكُلِّ الانفعالات، وخصوصًا تعبيرات الوجه؛ لأنَّه يُعَدُّ هو الاتصال الصامت وعُمقه عند الآخرين. إنَّ القرآن الكريم تحدَّث عن هذا الموضوع، وتناوله بشيء من التفصيل والعُمق منذ نشوء الدَّعوة الإسلاميَّة المباركة؛ فإنَّ لُغة الجسد من الأساليب الَّتي استخدمها القرآن في كثير من المواضع، وكان رسولنا الكريم يحثُّ على إيصال المعلومة بواسطة نبرة الصوت المؤثِّرة الهادئة، وهي إحدى علامات لُغة الجسد الراقية في التعامل، قال تعالى «وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ» آية19ـ سورة لقمان. وقال تعالى: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» آية 36ـ سورة الإسراء. وفي هذا دلالة عظيمة من الخالق على أهميَّة هذه الجوارح؛ فهي الَّتي سوف تكُونُ يوم القيامة عليك شاهدًا لأنَّك تستخدمها في حياتك اليوميَّة لتوصيل أفكارٍ إيجابيَّة أو سلبيَّة معيَّنة، وقول الله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} الفتح 29 وهي الدلائل الَّتي تعتمدها كثيرًا المدرسة الدبلوماسيَّة في لُغة الجسد لبيان علامات الوجه وانعكاس حالاته النفسيَّة والحياتيَّة، وخصوصًا الجحود والاسترخاء مستندة إلى عِلم النفْس الجنائي والإجرامي وعلامات الشخص المُجرِم من الشخص المتديِّن والطيِّب، وطبيعة حركته وتصرفاته اليوميَّة ليعكس ثقافة وكاريزما سلوكه اليومي. أمَّا تعابير الوجه ومعانيها ـ وهو من أهم أعضاء جسم الإنسان الَّتي تُظهر انفعالاته النفسيَّة، وأحاسيسه ـ فتظهر الفرح، الحزن، الهدوء، الانفعال والعصبيَّة، كما في قوله تعالى: «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» آية24ـ سورة المطففين، وقال تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ* ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ»38،39ـ سورة عبس، حيثُ يخبرنا ربُّ العزَّة عن لُغة الجسد، وخصوصًا الوجْه وتعابيره لِيعكسَ لنا الفرح والحزن والأمان والسعادة والارتياح والكآبة. وقال تعالى: «فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيم» آية 29ـ سورة الذاريات، صكَّت وجْهها يعني وضعت يدَها على جبهتها تعجبًا أو ضربت وجهها. والصكُّ عند العرب: هو ضرب الشيء.

وفي المشي ومعانيه فيفضل أن يكُونَ بكُلِّ سلاسة وتأنٍّ مع قلَّة حركة اليدين لِيعطيَ طابع الوقار والرزانة في الشخصيَّة، قال تعالى: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا» آية63ـ سورة الفرقان، وكذلك قوله تعالى: «فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ...» آية 25 ـ سورة القصص، حيثُ يحثُّنا الباري ـ عزَّ وجلَّ ـ أن يكُونَ مشي الإنسان، سواء من الذكور أو الإناث بكُلِّ تأنٍّ ووقار. ويُسمَّى هذا النمط من المشي بالمدارس الدبلوماسيَّة (مشي الملوك) حيثُ طابع الوقار والهدوء.

ختامًا، قال الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ : اللسان ترجمان العقل، وكذلك من سجن لسانه أمن من ندمه.

المصدر: كتاب القرآن الكريم وفن الدبلوماسيَّة

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت