السبت 04 أبريل 2026 م - 16 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

سقطرى: جزيرة سندباد

سقطرى: جزيرة سندباد
الثلاثاء - 06 يناير 2026 07:26 ص

أ.د. محمد الدعمي

40

عندما أمضيتُ ثلاثة أشهر (أستاذًا زائرًا) بجامعة عدن عام 2002، وقع بَيْنَ يدَي كتيِّب سوفييتي (معرَّب عن الروسيَّة). وقد كان الكتيِّب من بقايا جهود الخبراء السوفييت الَّذين كانوا يعملون سابقًا في عدن. الطَّريف هنا أنَّ الكتيب كان عن جزيرة هيمنت على أحلامي حقبة ذاك، وهي جزيرة «سوقطرا» أو «سقطرى»! هذه الجزيرة الممتدَّة على نَحْوٍ طولي موازٍ لسواحل جنوب اليمن هي (في حقيقة الحال) عبارة عن متحف طبيعي يندر وجود مثيل له عَبْرَ العالم؛ نظرًا لأنَّها كانت لم تزل جزيرة «عذراء» بكُلِّ معنى الكلمة، برغم بعثات الاستكشاف السوفييتيَّة أعلاه الَّتي حاولت إماطة اللثام عن حقائق هذه الجزيرة الَّتي بقيت طوال قرون أرضًا «بعيدة المنال»، بمعنى الكلمة. ولا حاجة للكثير من التقشير لرؤية عجائب النباتات العطريَّة والبحريَّة والصحراويَّة الَّتي ميَّزت غطاء الجزيرة النباتي الطبيعي، ناهيك عن الأحياء الَّتي تحيا على أرض هذه الجزيرة، قد تكُونُ هي الجزيرة الَّتي وجد أبطال (حكايات ألف ليلة وليلة) و(الليالي العربيَّة) من أمثال «سندباد» أنفسهم على سواحلها (حسب الخيال العربي الإسلامي في العصر الوسيط)!

بَيْدَ أنَّ هذا الموقع الجغرافي النادر قد جعل من سقطرى الجزيرة الطوليَّة الشَّكل «حلقة وصل» على خطوط الملاحة البحريَّة بَيْنَ الشرق الأقصى، من ناحية، وبَيْنَ سواحل إفريقيا الشرقيَّة، من الناحية الثانية، ناهيك على توسطها ذات الخطوط البحريَّة بَيْنَ سلطنة عُمان وسواحل جنوب اليمن الشقيق.

وبطبيعة الحال، فإنَّ سكَّان سقطرى هم من أصول عربيَّة (يمنيَّة)، بدليل استعمال اللُّغة العربيَّة وسيلة اتصال أساس، ناهيك عن استخدام لهجة قبائل المهرة وحِمْير، كما هي عليه الحال واضحة بَيْنَ سكَّان المدينتين الرئيستين هناك: «حديبو» و»قلنسية»، زد على ذلك لُغة التعامل مع بقيَّة السكَّان من القرويين وأشباه البدو هناك.

وإذا كانت سقطرى «جزيرة»، بمعنى الكلمة، فإنَّ اقتصادها وحياة سكَّانها ارتهنت بالبحر وصيد الأسماك. زدْ على ذلك رعي المواشي وإنتاج البخور و»دم الأخوين»، والأخير يندرج من بَيْنِ سواه من المنتجات العطريَّة والصيدليَّة المعتمدة بَيْنَ جهابذة الطِّب الشَّعبي، وهذه المنتجات ذات قِيمة علميَّة وصناعيَّة كبيرة جداًّ إذا ما تمَّت عمليَّات دراستها على نَحْوٍ جادٍّ، ثم إنتاجها بشكلٍ واسع (لغرض التصدير).

أمَّا رمال سواحل سقطرى المقصورة حتَّى البياض، فتشكِّل «بلاجات» سياحيَّة بديعة لِمَن يهوى السباحة والسياحة على الرمال الصفراء الناصعة.

وتأسيسًا على ما تقدَّم تبدو آفاق تطوير واستثمار جزيرة سقطرى الاقتصاديَّة لا محدودة، ناهيك عن احتمال اكتشاف مصادر دخل اقتصادي من المعادن غير المستكشفة حتَّى اللَّحظة.

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي