تُقرأ الحملة الوطنيَّة للتخفيضات «عُمان تحتفي» من زاوية اقتصاديَّة أعمق من كونها فعاليَّة ترويجيَّة موسميَّة؛ إذ تُمثِّل أداة تدخُّل ناعمة لإدارة السوق وتحريك الطلب في توقيت دقيق يمرُّ فيه المستهلك بمرحلة إعادة حساب أولويَّاته الشرائيَّة، فاختيار الدَّولة لهذا المسار يعكس إدراكًا بأنَّ السوق لا يتحرك تلقائيًّا تحت ضغط الظروف، وأنَّ تركه لحالة الانتظار يراكم الركود ويضعف الثقة. فالتخفيضات المعلنة بنسبة واضحة، والإطار التنظيمي المصاحب، يقدِّمان رسالة مزدوجة مفادها أنَّ الاستهلاك يُمكِن أنْ يدار بعقل اقتصادي منضبط لا بمنطق الاندفاع أو الفوضى. ومن هذا المنطلَق تتحول الحملة إلى سياسة سوق مؤقتة تستهدف كسر الجمود، وتدوير السيولة، وإعادة ضخ الحركة داخل القِطاع التجاري دون تحميل المستهلك أعباء إضافيَّة، والأهم أنَّ هذا التدخل يُعِيد تعريف العلاقة بَيْنَ الدَّولة والسوق، حيثُ تنتقل من موقع المراقب إلى موقع المنظِّم المحفِّز، مستخدمةً أدوات مَرِنة تحترم آليَّات العرض والطلب وتوجِّهها في آنٍ واحد، ويبقى التحدِّي الحقيقي في قدرة هذه المقاربة على التحوُّل من استجابة ظرفيَّة إلى نموذج متكرر يرسِّخ استقرار السوق ويمنحه قابليَّة أعلى للتكيُّف مع المتغيِّرات الاقتصاديَّة. في قلب هذه المقاربة يظهر المواطن بوصفه الطرف الأكثر حساسيَّة لتقلُّبات السوق، حيثُ تتحول الحملة من مجرَّد تخفيضات سعريَّة إلى أداة تهدئة اقتصاديَّة تخفف ضغط المعيشة، وتُعِيد بعض التوازن إلى قرارات الشراء. فالمواطن هنا يدخل سوقًا أكثر انضباطًا تحكمه ضوابط معلنة ورقابة مباشرة، ما يُعِيد بناء الثقة بَيْنَه وبَيْنَ المنظومة التجاريَّة، كما أنَّ وجود تخفيضات حقيقيَّة على السلع الأكثر استهلاكًا يمنح الأُسر مساحة لإعادة ترتيب أولويَّاتها دون الوقوع في فخ الاستهلاك القهري أو البحث عن بدائل غير مضمونة خارج السوق المنظَّم، خصوصًا وأنَّنا مقبلون على شهر رمضان المبارك والأُسر في سلطنة عُمان بدأت تستعد لهذا الشهر الفضيل وعيد الفطر السعيد. وبجانب ما سبق، تتجاوز الحملة بُعدها السعري لتؤدِّيَ دَوْرًا سلوكيًّا، إذ تشجع المستهلك على الشراء الواعي داخل إطار رسمي يحمي حقوقه ويحدُّ من الممارسات المضلِّلة، فالأثر الأعمق يتمثل في أنَّ المواطن يشعر بأنَّه جزء من معادلة اقتصاديَّة تُدار بعقل مؤسَّسي، حيثُ لا يُترك وحده أمام موجات الأسعار، ولا يدفع إلى قرارات اضطراريَّة، وهو ما يُعزِّز الاستقرار الاجتماعي ويمنح السوق قاعدة طلب أكثر اتزانًا واستدامة. ويُمثِّل المنتج الوطني في سياق هذه الحملة محورًا حاسمًا لقياس جدواها الاقتصاديَّة الفعليَّة، إذ لا يقتصر نجاح المبادرة على حجم التخفيضات أو عدد المشاركين، وإنَّما على قدرتها على تمكين الإنتاج المحلِّي من التوسُّع داخل السوق وتعزيز حضوره أمام المستهلك. والتخفيضات هنا تفتح نافذة اختبار حقيقيَّة للمنتَج الوطني، اختبار يتعلق بقدرته على المنافسة السعريَّة، وجاذبيَّة الجودة، وثقة المستهلك، دون الإضرار باستدامته أو الضغط على هوامش ربحه. إنَّ إدماج المنتَج المحلِّي داخل منظومة العروض يمنحه فرصة لتوسيع قاعدة الطلب، وتحويل الشراء الموسمي إلى علاقة استهلاكيَّة أكثر استقرارًا، خصوصًا عندما يقترن السعر المناسب بضمانات تنظيميَّة واضحة. وتظهر القِيمة الاقتصاديَّة الأعمق للحملة عندما تتحول من مساحة ترويج إلى منصَّة دعم عملي للإنتاج الوطني، تُتيح له الوصول إلى المستهلك في توقيت ذروة إنفاق، وتُعِيد تصحيح الصورة الذهنيَّة حَوْلَ قدرته على تلبية احتياجات السوق. عند هذه النقطة يصبح دعم المنتَج الوطني ممارسةً سوقيَّة واعية، لا شعارًا احتفاليًّا، ويسهم في تعزيز سلاسل القِيمة المحليَّة وربط الاستهلاك بالإنتاج داخل الاقتصاد الوطني. إنَّ الحملة الوطنيَّة للتخفيضات «عُمان تحتفي» تكشف في مجملها عن نموذج عملي للشراكة بَيْنَ القِطاعين العام والخاص، حيثُ ينتقل السوق من منطق المبادرات المتفرقة إلى إطار تنظيمي يوازن بَيْنَ تحفيز النشاط التجاري وحماية استقراره؛ فاتساع قاعدة المشاركين، وتوحيد إجراءات التسجيل عَبْرَ المنصَّات الرقميَّة يعكسان نضجًا متزايدًا في إدارة السوق وتقليص كلفة الدخول أمام المؤسَّسات التجاريَّة، بما يُعزِّز التنافسيَّة ويمنح الاقتصاد المحلِّي مرونة أعلى.. هذه المقاربة تضع الاستهلاك في موقعه الصحيح بوصفه رافعة للنُّمو لا عبئًا ماليًّا، وتسهم في تدوير السيولة داخل السوق المحلِّي بصورة منظَّمة تمتدُّ آثارها إلى قِطاعات متعدِّدة، والأهميَّة الاستراتيجيَّة للحملة تتجاوز موسمها الزمني عندما تقرأ ضِمن مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، الَّتي تراهن على سوق منفتح، ومنضبط، وقادر على التفاعل مع المتغيِّرات الإقليميَّة والعالميَّة دون فقدان توازنه الداخلي.. عند هذا المستوى تصبح الحملة اختبارًا لمدى قدرة السوق العُماني على التحرك بثقة داخل بيئة تنافسيَّة، وتحويل المبادرات التنظيميَّة إلى أدوات دائمة تُعزِّز الاستقرار الاقتصادي، وتربط بَيْنَ رفاه المواطن، وقوَّة المنتج الوطني، ونضج المنظومة التجاريَّة ككُلٍّ.