تنشر «الوطن» في ست حلقات، كتابا جديدا للكاتب العراقي “وليد الزبيدي” بعنوان “الترجمة في العراق وآفاق المعرفة في العصر الحديث”.
يختلفُ العراقُ معرفيًّا عن كثيرٍ من الدول العربيّة، فالمعرفةُ، ومعها الترجمةُ، لم تقتصرْ على اللغة العربيّة فقط، وبقدر ما نجدُ التنوّعَ في اللغات والترجمات، فإنّ ميادينَ المعرفة تزخرُ بالكثير من هذا وذاك. وعند الحديث عن الترجمة في العصر الحديث في العراق، لا بدّ من الذهاب إلى بداياتها في العصر العبّاسي، والتوقّف سريعًا عند أهمّ محطّات الترجمة، ولا سيّما أنّ مدينةَ بغداد كانت المحطّة الأبرز على هذا الصعيد، كما أنّه من الصعب جدًّا التوقّف عند سقفٍ زمنيٍّ محدّد في مجالي المعرفة والترجمة.
وفي صفحات الكتاب وقفةٌ عند كلّ لغةٍ في بلاد الرافدين: الترجمةُ من العربيّة وإليها، والكرديّة، والتركمانيّة، والمندائيّة، والترجمةُ في اللغة السريانيّة.
ويواجهُ المتصدّي لمثلِ هذا الموضوع العديدَ من الصعوبات، فالإحاطةُ الوافيةُ ليست سهلة، لكنّ ما يقدّمه الكتاب في صفحاته إنّما هو إضاءاتٌ لا بدّ منها على منجزِ المترجمين والحقولِ التي عملوا فيها.
أهم المترجمين الكرد في العصر الحديث مع ذكر اسهاماتهم:
1- هژار موكرياني: شاعر وأديب ومترجم كبير، يعتبر من أهم المترجمين في العصر الحديث، ولد في مدينة مهاباد (شرق كردستان) عام ١٩٢١ عُرف بنتاجه الغزير في حقل الترجمة والأدب، وترجمته لم يقتصر على النقل من لغة أخرى إلى الكردية، بل لديه أعمال قد نقل العمل من لهجة كردية إلى أخرى، توفي عام ١٩٩١.
2- شكر مصطفى: كاتب ومترجم كردي كبير، ولد عام ١٩٢٦، حصل على بكالوريوس كلية الشريعة في بغداد، كتب وترجم أكثر من ٥٠ كتابًا في مجال الرواية والقصة والمسرحية والتاريخ، وكان يتقن العربية والفارسية والتركية بشكل ممتاز، توفي عام ٢٠٠٣ في مدينة أربيل.
3- عزيز گردي: أديب ومترجم كبير، ولد في بحركة التابعة لمدينة أربيل، ويعتبر من أعمدة الترجمة الكردية في العقود الأخيرة، وقد قام بترجمة أهم الروائع العالمية إلى الكردية بلغة بليغة وفصيحة وسلسة، ومازال على قيد الحياة.
4- حكيم كاكويس: أديب ومترجم كبير، ولد في كركوك عام ١٩٤٩، وقد ترجم العديد من الروائع العالمية إلى الكردية، كما ترجم الكتب المكتوبة بالعربية للمفكر الكردي المعروف (مسعود محمد) إلى الكردية، توفي عام ٢٠١٨.
حركة الترجمة التركمانية
ترتبط حركة الترجمة بأوضاع البلاد السياسية والاقتصادية وانعكاساتها على الحالة الاجتماعية، وبدون شك ينطبق ذلك على اللغة التركمانية في العراق، كما ينطبق على الحركة الثقافية والفكرية عموما، بما شهده البلد ومازال من تقلبات سياسية ووقوعه تحت مؤثرات جيرانه وتأثير المطامح الدولية وغزوات الدول والامبراطوريات، وقد يكون من الصعوبة تحديد طبيعة الترجمة بجميع تفاصيلها وانعكاساتها على الحالة الثقافية في العراق.
وترتبط الحركة الثقافية التركمانية في العراق ببداية وجود التركمان في العراق و دخولهم في الإسلام؛ حيث يذكر مؤرخ العراق عباس العزاوي في الجزء الثالث من كتابه المشهور (تاريخ العراق بين احتلالين) أنه: حين قبول الترك الإسلام انتشروا في المملكة الإسلامية زرافات و وحدانا ودخلوا الجندية أفواجا، وتولوا قيادة الجيوش مدة، واشتهر منهم أمراء كثيرون فكانوا عضدًا قويًا، وقاموا بخدمات عظيمة للإسلام، وزاد عددهم في بعض المواطن على الأهلين الأصليين، و بينهم من حصلوا على حكومات كبيرة، ودول مشهورة عاشت بصورة مدنية أو قبائلية.
وإن ما يدعو إلى الأسف حقًا -كما يرى بعض الدارسين- هو عدم إيصال مساهمات التركمان في الفكر والثقافة في مختلف العصور إلى المثقف العربي عامة والعراقي خاصة بالشكل المطلوب. يقول الدكتور إبراهيم الداقوقي في كتابه (فنون الأدب الشعبي التركماني).: إن عماد الدين نسيمي المتوفى سنة 1404م؛ يعدّ مؤسس الأدب التركماني في العراق، فهو أول من استعمل اللهجة التركمانية في نظم الشعر، التي هي خليط من لهجة الأناضول الشرقية واللهجة الآذرية.
إن التركمان ومنذ بداية وجودهم في هذا الوطن، حاولوا أن يؤسسوا لثقافتهم التي تعبر عن وجودهم وتراثهم وأفكارهم وتطلعاتهم، ولما كان التعليم بلغتهم الأم هي الخطوة الأولى للتأسيس لثقافة رصينة؛ فإنهم قد أولوا هذا الجانب قدر ما ينبغي من اهتمام، فكانت لهم مدراسهم منذ البداية. وقد خرّجت هذه المدارس كثيرًا من الأفذاذ من العلماء والمفكرين، الذين أضافوا إلى تراثهم وتراث الإنسانية الشي الكثير من المؤلفات والمصنفات، ليس باللغة التركمانية وحدها، وإنما حتى باللغة العربية؛ بل أنهم كثيرًا ما كانوا يعتبرون اللغة العربية، كونها لغة القران، جزءًا لا يتجزأ من ثقافتهم. ومن يراجع كتب التأريخ والتراث يجد العديد من الأسماء التي تعود إلى شخصيات تركمانية ممن أبدعوا في هذا المجال أو ذاك من المجالات المختلفة.
ونتيجة للتداخل والتفاعل بين مدينة بغداد ومختلف أنحاء العراق فقد كانت النتاجات الفكرية والثقافية تتشابه في توجهاتها وتقع الغالبية العظمى منها تحت تأثير ذات التيارات، وحين كانت بغداد عاصمة فعلية للثقافة على المستوى العالمي، في فتراتٍ تاريخية متباينة، كان التركمان يتوافدون إليها من كل حدب وصوب، ينهلون العلم، ويغترفون المعرفة من مدارسها. ويكفي هنا أن نستشهد بشخصية تركمانية نادرة، قدم من الصين شابًا وغادر بغداد كهلًا، وهو الأديب البارع (محمود قاشغرلي). بعد أن وضع فيها أول قاموس تركي/تركماني، مازال حتى الآن أحد المصادر المعتمدة في دراسة اللغة التركمانية أو التركية.
ويشير المترجم أرشد الهرمزي، إلى أن البروفيسور (يوهانيس بنزنك) مدير معهد العلوم الشرقية بجامعة ماينتس، قد أكد على تأثير الأدب التركماني في العراق على أدب بقية فروع اللغة التركية في الشرق مثل إيران وأفغانستان، وأن الأدب التركماني في العراق أدب مستقل اجتماعيًا، وأن الأدب التركماني سيبقى حيًا ومتطورًا بشكل حتمي.
ويختصر الدكتور محمد عمر قازانجي في مقال له أهم المراحل التي مرّت بها الحركة الثقافية التركمانية في العراق خلال العصر الحديث ذاهبًا إلى أنه: عندما يجري الحديث عن الثقافة والأدب والفكر فأنه يتصل مباشرة أو غير مباشر بحركة الترجمة التي تفتح النوافذ أمام المبدعين في التعرف على المدارس والتيارات الفكرية والثقافية والأدبية. ويقول قازانجي بهذا الصدد: وفي فترات ازدهار العراق، برز شعراء من التركمان ذاع صيتهم وشهرتهم في أرجاء المعمورة، ومن فرط اعتزازهم ببغداد لقبوا أنفسهم بالبغداديين وإن لم يولدوا فيها، مثل فضولي البغدادي ونسيمي البغدادي وروحي البغدادي وغيرهم.
ونظرًا لارتفاع نسبة الذين يجيدون القراءة والكتابة بين عامة التركمان؛ فقد شجع هذا الأمر المعنيين بإصدار الصحف والمجلات، التي لاقت الرواج والإقبال بشكل لافت للنظر؛ حيث صدرت أول جريدة تركمانية سنة 1911م، وهي جريدة (الحوادث)، وتلاها عدد غير قليل من الصحف والمجلات.
لكن التركمان فوجئوا عام 1935م، بقرار جائر اتخذته السلطة الحاكمة حينها، وهو إلغاء المدارس التركمانية، دون بيان الأسباب والمبررات التي تدعو لذلك. وقد كان هذا القرار أول انتكاسة في حياة التركمان الثقافية. وبعد سنوات طويلة أسس التركمان أول مركز ثقافي واجتماعي لهم في العراق، وهو نادي الإخاء التركماني الذي افتتح عام 1960م، وتوالت على إدارته شخصيات تركمانية قيادية وثقافية عدة، وصدرت عنه مجلة (الإخاء) عام 1961م، كمجلة ثقافية تراثية رصينة، فكانت بحق منصة مناسبة لإبراز العديد من الأدباء والمفكرين والكتاب، الذين وضعوا مؤلفات في مختلف الأجناس الأدبية وألوانها، مواكبين ما شهده العالم من تطورات في هذه المجالات.
وقد أخذت هذه المؤسسة على عاتقها طبع هذه المؤلفات، وقد انعكست فعاليات النادي ونشاطاته هذه، على مكانته في قلوب التركمان، فازدادوا تعلقًا به، وارتباطًا له، حتى أن البعض منهم بدأ بصفه (بالحكومة التركمانية). ويبدو وأن هذا الوصف قد طرق أذان السلطة الحاكمة في السبعينيات؛ فعندما أقدمتْ على إصدار قرار منح الحقوق الثقافية في 24/كانون الثاني من عام 1970م، بادرت للتشاور مع أعضاء الهيئة الإدارية للنادي حول الآلية التي يمكن اعتمادها لتطبيق فقرات ذلك القرار.
ومن أشهر الشخصيات العلمية والفكرية التركمانية في العراق في القرن العشرين الميلادي ذات العلاقة بهموم اللغة ومنها الترجمة، المرحوم الدكتور مصطفى جواد الذي خصص جُل وقته في تحقيق أمهات المخطوطات التاريخية واللغوية، وكان له في إذاعة بغداد برنامجه المعروف (قل ولا تقل) وهو برنامج لغوي، مازال يرّن صداه في أذهان محبي اللغة العربية المعروفة بجماليتها الموسيقية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع
أولًا: كتب ومجلات
1- أ. جابا والكوردولوجي، ج.س. مووسايليان، ترجمة شيروان محمود، روناكبيري، ستوكهولم، ١٩٩٣م.
2- الأدب السرياني بين آداب الشرق الاوسط، سيبستيان بروك، جذورنا، 2005، مركز الدراسات والأبحاث المشرقية.
3- أعلام التركمان؛ الأدب التركي في العراق الحديث، مير بصري، دار الوراق للنشر، لندن ط 1، 1997م.
4- أوليا الجلبي؛ سياحتنامه، ترجمة: سعيد ناكام، من منشورات ك.ز.ك، بغداد، ١٩٧٩م.
5- تاريخ الأدب السرياني. تأليف: روبنس دوفال. ترجمة: الأب لويس قصاب، منشورات مطرانية السريان الكاثوليك، بغداد، 1992م.
6- تاريخ الترجمة في الأدب الكوردي، د. فرهاد بيربال، منشورات مجلة الأفق التربوي، مطبعة وزارة التربية، أربيل، 2002م.
7- التراث الكوردي، جودت هوشيار، مجلة رامان، عدد (43) و (44)، أربيل.
8- الثقافة التركمانية بين الأمس واليوم، د. محمد عمر قازانجي، صحيفة التآخي، 27/06/2013م.
9- الجمعيات والمنظمات الكردية، عبد الستار طاهر شريف، بغداد، 1989م.
10- السريان قادوا قطار الترجمة إلى اللغة العربية، حلمي النمنم، صحيفة الاتحاد الاماراتية، 12/1/2011م.
11- الفلاسفة والمترجمون السريان، افرام يوسف، ترجمة: شمعون كوسا، المركز القومي المصري للترجمة، 2010م.
12- كتاب باللغة الألمانية يوثق مسيرة القصة التركمانية (النثر الفني وأدباؤه لدى تركمان العراق للدكتور مهدي البياتي، وقد ترجمه من اللغة الألمانية إلى العربية أرشد الهرمزي)، إيلاف، 14/11/2007م.
13- مصادر الكوردولوجي، د. فرهاد بيربال، مركز كلاويز الثقافي، السليمانية، 1999م.
14- معجم المفردات المندائية في العامية العراقية، د. قيس مغشغش السعدي، درابشا للنشر، ألمانيا، 2008م.
15- ملا محمود البايزيدي، فرهاد بيربال، مجلة رامان، عدد (٨)، أربيل، 1977م.
16- النثر الكردي، عبد الرزاق بيمار، بغداد، 1998م.
ثانيًا: مواقع إلكترونية
1- السريان، معلومات لغوية عن السريانية، اعداد: د. سميرة يوحنا ود. أزهار الأطرقجي، موقع ميزوبوتاميا-تاريخ الآراميين.
2- نحن التركمان (موقع) في شبكة الإنترنت:
http://www.bizturkmeniz.com/ar/index.php?page=article&id=67.
3- The History of Translation ،
https://www.onehourtranslation.com/translation/blog/history-translation
4- https://www.syrian-orthodox.com/article.php?id
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%84%D8%BA%D8%A9_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9#%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D9%88%D8%A7%D8%AA.
ثالثًا: حوارات ولقاءات
6- حديث خاص للباحث مع الكاتب والمترجم أرشد العاصي.
7- حديث خاص للباحث مع المترجم الأستاذ كوثر نجيب عسكر.
8- حديث خاص موسع مع الدكتور قيس مغشغش المختص باللغة المندائية.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي