الأربعاء 07 يناير 2026 م - 17 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : التوجيهات السامية لجلالة السلطان خريطة طريق لمجلس الدَّولة.. كيف يجسدها فـي أجندة عمله؟

في العمق : التوجيهات السامية لجلالة السلطان خريطة طريق لمجلس الدَّولة.. كيف يجسدها فـي أجندة عمله؟
الاثنين - 05 يناير 2026 08:50 ص

د.رجب بن علي العويسي

30


يُمثِّل اللقاء السَّامي لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ برئيس وأعضاء مكتب مجلس الدَّولة، في الثاني والعشرين من ديسمبر من عام 2025م، خريطة طريق وبرنامجَ عملٍ وطنيًّ شاملًا لمجلس الدَّولة، وكافَّة مؤسَّسات الدَّولة ومنظوماتها بلا استثناء، في تأكيد جلالته على أنَّ مسؤوليَّة التعامل مع القضايا المطروحة على المستوى الوطني هي مسؤوليَّة مشتركة بَيْنَ كافَّة مؤسَّسات الدَّولة وأجهزتها، وأهميَّة التفاعل مع قضايا المُجتمع والتحدِّيات القائمة، وإيصال الرسائل الصحيحة والمناسبة حَوْلَ القضايا المطروحة في وسائل الإعلام ومنصَّات التواصل الاجتماعي، وتوضيح الجهود المبذولة وما تحقق من منجزات ومكتسبات على المستوى الوطني، ورفع مستوى الوعي المُجتمعي، إلى جانب توجيهاته باعتماد آليَّات تنفيذيَّة فاعلة تُحوِّل المقترحات إلى خطوات عمليَّة تعالج قضايا المُجتمع، وتُعزِّز تكامل مؤسَّسات الدَّولة بما يضمن استدامة التنمية وصون المكتسبات.

إنَّ توقعاتنا بأن يعمل مجلس الدَّولة بكافَّة أجهزته على وضع التوجيهات السَّامية موضع التنفيذ، عَبْرَ التفكير الجمعي في سيناريوهات عمل قادمة تترجم هذه التوجيهات في أجندة عمل المجلس ولجانه، وفْقَ إطار عمل محكوم الأدوات وخطَّة زمنيَّة تستوعب تجليات هذه المعطيات، وبرنامج عمل يعمل المجلس على تحقيقه، بما تستدعيه بيئة عمل المجلس من مراجعة جادَّة لمسار الهيكلة الداخليَّة ورفع سقف التواصل والتكامل والتناغم بَيْنَ مُكوِّنات المجلس الأربعة، وعَبْرَ تَبنِّي سياسات مضبوطة وإجراءات عمل ثابتة داخليَّة وخارجيَّة، أكثر شفافيَّة واحتواء لضمان استدامة هذا التكامل وتعزيز منصَّات الحوار والتفاعل، وتفعيل أجندة اللقاءات والفعاليَّات المهنيَّة الَّتي تنعكس إيجابًا على المنجز التشريعي وإنتاجيَّة العاملين في أمانة المجلس واستقرارهم الوظيفي ورفع كفاءتهم الأدائيَّة والمهنيَّة، فينتج عن ذلك حراك ممنهج، وعمل مركَّز، وجهد منظَّم، وتفاعل حثيث، ومسار واضح من العمل قائم على الاحترافيَّة والوضوح والحوار واستطلاع الرأي وتفعيل اللقاءات المهنيَّة، وتشكيل اللجان وفرق العمل الَّتي تدرس هذه التوجيهات السَّامية، بحيثُ يضعها المجلس في قالب تشريعي وحوكمتها في إطار تنظيمي مؤسَّسي، من خلال تطوير جودة الدراسات والتشريعات، وربط المنتج التشريعي باحتياجات التنمية الفعليَّة، بما ينعكس مباشرة على حياة المواطن.

ولذلك فإنَّ السؤال الجوهري في هذا الأمر يتعلق بــ: ماذا بعد هذا اللقاء السَّامي؟ وما الجهد المنتظر من المجلس أن يقوم به؟ وهل بدأ المجلس بترتيب بيته الداخلي لهذه المهِمَّة القادمة؟ والمسارات الَّتي سيعمل مجلس الدَّولة عليها في تنفيذ هذه التوجيهات ونقلها إلى حيِّز التطبيق ووضعها ضمن أجندة عمله؛ فإنَّ المرتكزات الثلاثة تُمثِّل إطارًا توجيهيًّا استراتيجيًّا لعمل المجلس في المرحلة القادمة، وتُلقي عليه مسؤوليَّات نوعيَّة وجهدًا مضاعفًا يفوق المعتاد، ودَوْرًا تكامليًّا منافسًا ومؤثِّرًا وفاعلًا.

وفيما يلي إشارة لهذه المرتكزات، وكيف يُمكِن لمجلس الدَّولة تجسيدها عمليًّا، وما المطلوب منه لتحقيقها عَبْرَ الاستفادة من الممكنات التشريعيَّة والشراكات المؤسَّسيَّة.

أولًا: مسؤوليَّة التعامل مع القضايا الوطنيَّة مسؤوليَّة مشتركة بَيْنَ كافَّة مؤسَّسات الدَّولة

تؤكد هذه الركيزة على أنَّ معالجة القضايا الوطنيَّة (الاقتصاديَّة، الاجتماعيَّة، التنمويَّة، الإداريَّة) لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل تتطلب تنسيقًا مؤسَّسيًّا وتكاملًا وظيفيًا بَيْنَ مختلف منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها، ولأنَّ مجلس الدَّولة بما يشكِّله من بيت خبرة وطني ومنصَّة عقل استراتيجي جامع بما يضمُّه من تنوُّع في الخبرات والكفاءات الَّتي تشكِّل هُوِيَّة المجلس؛ فإنَّ المتوقع منه أن يمتلك أدوات وطنيَّة معزّزة للثقة، مؤصّلة للشراكة، موحّدة للرؤى، منتِجة للحلول.

إنَّ دَوْر مجلس الدَّولة في تجسيد هذه المسؤوليَّة يستدعي تبنِّي منهج تشاركي في دراسة مشروعات القوانين والسياسات العامَّة والدراسات، وإشراك فاعل ومؤطّر وذات أثَر للجهات التنفيذيَّة ذات الصلة، مع الاستفادة من الخبراء الوطنيين ومؤسَّسات المُجتمع الأهلي والقِطاع الخاص، بحسب طبيعة هذه القوانين والدراسات ومستوى الحاجة إلى العمق فيها، وبالتَّالي رفع مستوى التنسيق الشامل مع مجلس الشورى ـ ليس فقط في اللجان المشتركة المرتبطة بدراسة أوْجُه الخلاف بَيْنَ رأيي المجلسين في المشروع قيد النظر ـ بل في إطار مستدام لتعزيز الثقة، وبما يحقق التكامل بَيْنَ الخبرة التخصصيَّة في مجلس الدَّولة والآراء والأفكار الواقعيَّة المعَبْرَة عن الهاجس المُجتمعي في مجلس الشورى؛ وتوجيه دراسات المجلس على مستوى اللجان الدائمة أو اللجان الخاصَّة في أن تكُونَ معالجاتها للقضايا المطروحة أكثر عمقًا واتساعًا وشموليَّة واتزانًا، بحيثُ تقدِّم نتائج غير مستهلكة من المؤسَّسات وخيارات وبدائل استراتيجيَّة غير مطروحة في طاولة الجهات التنفيذيَّة أو تتطلب دعمًا من الحكومة، تأكيدًا للفرادة ومنعًا من التكرار.

ويبقى على المجلس أن يطوِّر آليَّات مؤسَّسيَّة مقنّنة وواضحة ومؤطّرة ومعلومة للتشاور المنتظم مع الجهات الحكوميَّة، مستفيدًا من الممكنات التشريعيَّة والاختصاصات المنصوص عليها في قانون مجلس عُمان، وتأسيس شراكات وفِرق عمل أو جلسات حواريَّة وسماعيَّة متخصصة حَوْلَ القضايا المطروحة، وأن تتجه دراسات المجلس إلى العُمق، فمن جهة تستحضر معادلة التكامل بَيْنَ قالبها البرلماني أو التشريعي والمنهج العلمي بتوظيف المسوحات واستطلاعات الرأي أو بيوت الخبرة الوطنيَّة في الدراسات المعمقة الداعمة لتوجُّهات المجلس، وبناء شراكات معرفيَّة مع مراكز الدراسات والبحوث، والجامعات والمؤسَّسات الأكاديميَّة والمراكز الوطني للإحصاء والمعلومات.

ثانيًا: اعتماد آليَّات تنفيذيَّة فعّالة تُحوِّل المقترحات إلى خطوات عمليَّة

تُشير هذه الركيزة إلى ضرورة الانتقال من المقترحات والتوصيات النظريَّة إلى برنامج عمل قابل للتنفيذ، بما يعزز مصداقيَّة الجهد المقدّم وكفاءته ويَضْمن أثرًا ملموسًا في حياة المُجتمع. وبالتَّالي ما يعنيه ذلك من ضرورة إعادة بناء مسار بنية الدراسات البرلمانيَّة في مجلس الدَّولة في إطار استحضار مُكوِّنات المحتوى الهيكلي والرصانة الفكريَّة والأدوات الإجراءات والتحليل والبنية الفكريَّة للدراسات وربطه البُعد التشريعي؛ بمعنى أن تتجه الدراسات إلى التطبيقات العمليَّة والإجراءات التنفيذيَّة واندماجها بالشأن المؤسَّسي والمُجتمعي، وأن تعبِّرَ المقترحات والتوصيات عن برنامج عمل تنفيذي واقعي يراعي المتغيرات والأبعاد، ويقف على التحدِّيات وأسبابها ومسبِّباتها وفْقَ سيناريوهات واضحة، وصياغة دراسات المجلس بلُغة تنفيذيَّة واضحة، سواء من حيثُ أهدافها المحددة والقابلة للقياس، وربطها بجدول زمني محدَّد بخطوات عمليَّة واضحة، ومؤشرات أداء دقيقة لهذه الأهداف، وهو أمر يتطلب ربط الدراسات التشريعيَّة والاقتصاديَّة بمستهدفات رؤية «عُمان 2040». وتقييم الأثر المتوقع للتوصيات قَبل اعتمادها، وتضمين الأهداف العامَّة والإجرائيَّة في قرارات تشكيل الدراسات ولجان العمل الخاصَّة.

وبالتَّالي أن يطور المجلس من القدرات البحثيَّة للأعضاء والخبراء بالأمانة في إجراء الدراسات العميقة واستخدام منهجيَّات البحث العلمي في الدراسات البرلمانيَّة في مجالات، تحليل السياسات العامَّة، وتقييم الأداء الأمر الَّذي يستدعي وضع إطار عمل، واعتماد بنية هيكليَّة في حوكمة دراسات المجلس والضوابط والأدوات، وتشكيل فِرق عمل من مجلس الدَّولة ومجلس الوزراء الموقَّر في متابعة ما يُحال من توصيات إلى الجهات التنفيذيَّة، ورصد مستوى الأخذ بها. بالإضافة إلى العمل مع مجلس الشورى في بناء مركز التدريب البرلماني، ودعمه بالكفاءات والخبرات وتقوية الشراكات مع مراكز التدريب الدوليَّة المتخصصة.

ثالثًا: التفاعل مع قضايا المُجتمع والإعلام ورفع الوعي المُجتمعي

تؤكد هذه الركيزة أنَّ كفاءة العمل المؤسَّسي لا تكتمل دون حضور واعٍ ومسؤول في الفضاء الإعلامي والرقمي، يشرح السياسات، ويواجه الإشاعات، ويُعزِّز الثقة المُجتمعيَّة في الأداء الحكومي. إنَّ دَوْر مجلس الدَّولة في تجسيد هذه الركيزة، يستدعي بناء خطاب إعلامي مؤسَّسي فاعل ومؤثر ومنافس ونشط، ويصنع الفارق يخرج من قالبه التقليدي الحالي، عَبْرَ محتوى إعلامي متطور يوضح دَوْر المجلس، وطبيعة القضايا الَّتي يناقشها، ويتفاعل مع القضايا المطروحة في الساحة الإعلاميَّة والاجتماعيَّة. وأن يؤمن بأهميَّة التفاعل المدروس مع قضايا الرأي العام، وأنَّ استخدام منصَّات التواصل الاجتماعي كأدوات للشفافيَّة والحوكمة والمساءلة باتَ ضرورة وجوديَّة، وبالتَّالي أن يتجهَ العمل إلى إعداد استراتيجيَّة إعلاميَّة شاملة للمجلس، وإعداد وتأهيل المتحدثين الرسميين من أعضاء المجلس ومن الأمانة العامة للتواصل الإعلامي، ورفع مستوى مشاركات المجلس في المواسم الثقافيَّة والاجتماعيَّة والسياحيَّة، وتفعيل الدَّوْر التوعوي والتثقيفي لأعضاء المجلس والخبراء بالأمانة في الوعي الجمعي بالمنجز الوطني. إنَّ تحقق ذلك يؤكد أولويَّة التحوُّل الرَّقمي للمجلس وإدارة منظومته الرقميَّة بشكل ذاتي، وتجسيد أدوات التحوُّل الرَّقمي في أجهزة عمل المجلس ومراسلاته وأعماله وأدواته وآليَّاته وبرامجه وخططه وتقاريره ومضابطه، والإسراع في إقرار العمل بالمضبطة الإلكترونيَّة؛ لِمَا لهذه الاستقلاليَّة الرقميَّة من دَوْر في تعظيم أثَر التقنيَّات والمنصَّات الاجتماعيَّة والمحتوى الرَّقمي، في مساندة كُلِّ عضو بالمجلس في الوصول إلى حواراته ونقاشاته واطروحاته بكُلِّ سهولة ويُسر، وتمكينه من رفعها إلى المنصَّات الاجتماعيَّة بما يُعزِّز من حضور المجلس التفاعلي عَبْرَ هذه المنصَّات، وإدراك الرأي العام ووعيه بما يقدِّمه المجلس من مساندة لجهود الحكومة والمواطنين في تناول القضايا الَّتي تهم الرأي العام، خصوصًا ملفات التشغيل والتوظيف والتسريح والشباب وغيرها.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]