الأربعاء 07 يناير 2026 م - 17 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : اللامركزية المنتجة وإدارة الاستثمار الصناعي

الاثنين - 05 يناير 2026 03:46 م

رأي الوطن

30


تطرح اللامركزيَّة الاقتصاديَّة اليوم بوصفها أحد المسارات الأكثر نضجًا في إدارة التنمية، خصوصًا في الاقتصادات السَّاعية إلى توسيع قاعدة النُّمو وتقليل اختناقات التمركز، ويعمل هذا التوجُّه على تمكين المُدن الصناعيَّة والاقتصاديَّة والحُرَّة من أداء دَوْر اقتصادي مستقل، يتجاوز استيعاب الأنشطة إلى إنتاج الفرص وصياغة القِيمة المضافة محليًّا. فالمدينة الصناعيَّة عندما تُدار بعقل استثماري مَرِن تتحول إلى نقطة جذب قادرة على استقطاب رأس المال، وبناء سلاسل توريد متكاملة، وربط الإنتاج بالأسواق الإقليميَّة والدوليَّة بكفاءة أعلى.. ومع توافر البنية الأساسيَّة والحوكمة الواضحة وسرعة الإجراءات، يصبح توزيع النشاط الاقتصادي أداة لتعزيز التنافسيَّة وتحقيق التوازن بَيْنَ المركز والأطراف، بما يدعم استدامة النُّمو ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على التكيُّف مع التحوُّلات.. هكذا تغدو اللامركزيَّة خيارًا اقتصاديًّا واعيًا يُعِيد تنظيم الخريطة الاستثماريَّة على أُسُس الكفاءة لا القُرب الجغرافي.

تتجلى ولاية صحار بوصفها نموذجًا عمليًّا لتجسيد اللامركزيَّة المنتِجة، حيثُ تلتقي الجغرافيا مع القرار الاقتصادي في صيغة متكاملة تُعِيد تعريف دَوْر المُدن الصناعيَّة داخل المنظومة الوطنيَّة؛ فصحار تخطَّت دَوْر الموقع الجاذب، وأضحت نظامًا اقتصاديًّا يعمل بمنطق السلسلة لا الجزئيَّة، مستندًا إلى ميناء محوري، ومنطقة حُرَّة نشطة، ومدينة صناعيَّة متقدِّمة، وشبكة لوجستيَّة قادرة على ربط الإنتاج بالأسواق بكفاءة زمنيَّة وتكلفة تنافسيَّة. لذا فطرح حزمة فرص استثماريَّة جاهزة للتنفيذ ضِمن منتدى صحار للاستثمار 2026 يعكس درجة نضج تتجاوز الترويج، وتدخل في نطاق التخطيط المسبق وتقليل مخاطر الدخول أمام المستثمر، وهو ما يحمل دلالة مهمَّة مفادها أنَّ المدينة باتتْ تمتلك قدرة ذاتيَّة على توليد المشاريع واستيعابها ضمن رؤية واضحة للقِيمة المضافة، ما يعزز موقعها كقطب صناعي فاعل داخل شمال الباطنة، وكنقطة توازن في الخريطة الاقتصاديَّة الوطنيَّة، حيثُ يقاس النجاح بعُمق الأثر واستدامته لا بعدد المشاريع المعلنة.

ويأتي تنوُّع القِطاعات الاستثماريَّة المطروحة في منتدى صحار للاستثمار 2026 ليكشفَ عن قراءة اقتصاديَّة تتعامل مع الاستثمار بوصفه أداة تحصين قَبل أنْ يكُونَ أداة توسُّع، فالتَّركيز على الصناعات الغذائيَّة والدوائيَّة يعكس وعيًا بأهميَّة الأمن الصناعي والغذائي في عالم مضطرب، بَيْنَما تُمثِّل الصناعات الحديديَّة والألمنيوم والبلاستيكيَّة امتدادًا طبيعيًّا لمسار القِيمة المضافة وتعميق التصنيع المحلِّي، وفي المقابل تبرز مشروعات إعادة التدوير وسلاسل الإمداد المتقدِّمة باعتبارها استثمارًا في كفاءة الاقتصاد لا في حجمه فقط، حيثُ يجري التعامل مع الموارد، والطاقة، واللوجستيَّات بمنطق الاستدامة وتعظيم العائد طويل الأجل، وهو تنوُّع يعكس تعدُّد الفرص بتوزيع محسوب للمخاطر، وبناء قاعدة إنتاجيَّة مَرِنة قادرة على التكيُّف مع تقلُّبات الأسواق وسلاسل التوريد العالميَّة، بما يمنح صحار قدرة تنافسيَّة تتجاوز اللحظة، ويُعزِّز دَوْرها كمركز صناعي متوازن يخدم الاقتصاد الوطني بأدوات المستقبل لا بمعادلات الماضي.

إنَّ منتدى صحار للاستثمار 2026، في صيغته الحاليَّة، يعكس تحوُّلًا واضحًا في طريقة إدارة ملف الاستثمار من منطق الترويج العام إلى منطق هندسة الشراكات وبناء المسارات التنفيذيَّة، حيثُ لم يَعُد الحدث منصَّة عرض بقدر ما أصبح أداة ربط مباشر بَيْنَ القرار الاقتصادي ورأس المال المنتج، فالجلسات رفيعة المستوى، ولقاءات الأعمال المباشرة، والمعرض الاستثماري المصاحب، تشكِّل معًا بيئة عمل تختبر جديَّة الفرص وقدرة المشاريع على الانتقال من الورق إلى أرض الواقع، هذا النَّمط من المنتديات يُعزِّز ثقة المستثمر عَبْرَ تقليص فجوة المعلومات، وتوضيح الأُطر التنظيميَّة، وربط الفرص بأصحاب القرار في توقيت واحد، بما يرفع كفاءة الاختيار ويخفِّض كلفة الدخول، ليتحولَ منتدى صحار إلى جزء من منظومة إدارة الاستثمار الوطني، ويترسخ دَوْره كمنصَّة قادرة على توجيه رأس المال نَحْوَ القِطاعات ذات الأولويَّة، ودعم موقع صحار كمركز صناعي واستثماري فاعل ضِمن مسار تنموي طويل الأمد يَقُوم على الشراكة والاستدامة ووضوح الرؤية.