من خلال تتبُّع تطوُّر استراتيجيَّات التنظيمات الإرهابيَّة خلال العقود الماضية، لاحظت استغلالًا مستمرًّا لكُلِّ ما يُمكِن الاستفادة منه أولًا من الأفكار والسياسات المتعلقة بالقيادة ومحاولة بناء الدولة، وثانيًا استغلال لكُلِّ ما يُمكِن الاستفادة منه من تطوُّرات تكنولوجيَّة وتقنيَّة. ويُمكِن في السياق الأول المتعلق بالتطور في الفكر القيادي الاستراتجي للتنظيمات الإرهابيَّة مراجعة مقال سابق لي بعنوان: الاتجاهات الحديثة لاستراتيجيَّات التنظيمات الإرهابيَّة في اختيار أهدافها النوعيَّة لعمليَّاتها المستقبليَّة، بالإضافة إلى مقال الإرهاب لحساب الغير «المتاجرة والاستثمار بالإرهاب». أمَّا بخصوص الشق الثاني من تطوُّر الفكر الإرهابي والخاص باستغلال التكنولوجيا فيُمكِن التأكيد على أنَّ التنظيمات الإرهابيَّة المعاصرة تسعى بكُلِّ الطُّرق الممكنة لامتلاك التكنولوجيا، سواء عَبْرَ الشراء أو الصنع أو التبادل مع بقيَّة المنظَّمات الإجراميَّة والمافيا الدوليَّة.
وفي هذا الإطار لا يُمكِن بحال من الأحوال نفي إمكانيَّة أن تحوز إحدى المجموعات المتطرفة خلال السنوات المقبلة سلاحًا يعتمد على التكنولوجيا والتقنيَّات الحديثة فيما يطلق عليه بالإرهاب السيبراني، أو عَبْرَ استغلال الفضاء الرَّقمي لإحداث عمليَّات إرهابيَّة تدمِّر البنية الأساسيَّة لدولة ما، وأقصد بالبنية الأساسيَّة هنا شبكات المعلومات والاتصالات والماء والكهرباء والطُّرق وما إلى ذلك، عَبْرَ تدمير أو شلِّ حركة تلك القواعد البنائيَّة الأساسيَّة للدولة المعاصرة، الأمر الَّذي سيتبعه ـ بلا شك ـ تدمير المقدَّرات والثروات وخسائر ماديَّة قد تصل إلى المليارات.
طبعًا هناك أمثلة واقعيَّة حدَثتْ بالفعل، منها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ هجمات مومبي الهندية في العام 2008 حين قام أكثر من (10) أشخاص بمهاجمة البنية الأساسيَّة للمدينة وأخذها رهينة في حصار لمدَّة (3) أيَّام، واعتمد المسلَّحون على تقنيَّات تقليديَّة بسيطة، منها أجهزة الهاتف النقال (بلاك بيري)، وجوجل إيرث، والاتصالات الصوتيَّة الَّتي استغل فيها الإنترنت، مع ملاحظة أنَّنا نتحدث عن (18) سنة سابقة من يومنا هذا، فكيف بنا اليوم والعالم يدخل عصر الذكاء الاصطناعي وتطوُّر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات!؟
على العموم ما يهمُّنا في كُلِّ ذلك أنَّ العالم اليوم مُقبل على تطوُّر خطير جدًّا، والأخطر من التطوُّر نفسه هو الأدوات والوسائل والموارد الَّتي يُمكِن من خلالها الوصول إلى أخطر الأسلحة المعاصِرة الَّتي يُمكِن أن تستغلَّها التنظيمات الإرهابيَّة.. ونحن هنا لا نتحدث عن قنبلة نوويَّة أو كيميائيَّة أو بيولوجيَّة، ولا نتحدث عن أسلحة مكلفة أو غالية الثمن وصعبة المنال، بل الحديث عن تقنيَّات متوافرة بدون مقابل، وفي أسوأ الأحوال بمقابل رمزي أو بسيط، في ظل موارد ماليَّة كبيرة للغاية لدى التنظيمات الإرهابيَّة. وأقصد طبعًا التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي (AI). ولعلَّ أخطر الأدوات الحاضرة اليوم هو توظيف الذكاء الاصطناعي في الطائرات المُسيَّرة، أو استغلال الذكاء الاصطناعي في إصدار أوامر عسكريَّة، أو تمكين الذكاء الاصطناعي من غرف العمليَّات العسكريَّة، الأمر الَّذي يُمكِن معه أن يُشنَّ هجوم على دولة ما دُونَ العودة إلى القيادة البشريَّة، أو التجنيد التفاعلي وهكذا.
تماشيًا مع الفكرة السابقة، نشير إلى نجاح التنظيمات الإرهابيَّة المعاصِرة خلال العام 2024 تحديدًا تنظيم «داعش» في استغلال الذكاء الاصطناعي في توليد أفكار إرهابيَّة (توليد مقاطع فيديو وصوت)، بالإضافة إلى تقديم مقاطع فيديو لنشرات إخباريَّة بالكامل عَبْرَ الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى أفلام كرتونيَّة للأطفال تروِّج للإرهاب وتحبِّذ العمليَّات الإرهابيَّة! ومن غير المستبعد استغلال الذكاء الاصطناعي في إعادة القيادات الإرهابيَّة إلى ساحة الجهاد الافتراضي. بمعنى آخر، نشاهد تلك القيادات التاريخيَّة مرَّة أخرى وهي تصدر أوامر لأتباعها عَبْرَ تقنيَّات الذكاء الاصطناعي (نسخة رقميَّة تُحاكي طريقة تفكير الشخص المُتوَفَّى وصوته).
ختامًا. تعاني البيئة الأمنيَّة الدوليَّة عمومًا، ومنطقة الشرق الأوسط تحديدًا، اضطرابات سياسيَّة وأمنيَّة شديدة، وبتصوُّري ستكُونُ الأعوام 2026- 2029 أعوامًا خصبة للتنظيمات الإرهابيَّة، وأكثر رحابة للتقنيَّات الَّتي ستستخدم فيها تلك التنظيمات الأفكار الإرهابيَّة الَّتي تعتمد الذكاء الاصطناعي التوليدي.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @