الاثنين 12 يناير 2026 م - 22 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : للعمل أيضا أسرار

نبض المجتمع : للعمل أيضا أسرار
الأحد - 04 يناير 2026 08:53 ص

د. خصيب بن عبدالله القريني

20


كما يقال دائمًا للبيوت أسرار، لا يَجِبُ البوح بها ونشرها؛ لِمَا لذلك من تأثير على كيانها وزعزعة لاستقرارها، فإنَّ للعمل أيضًا أسرارًا، نظَّمتها مراسيم سلطانيَّة وقرارات وزاريَّة جعلت من الشخص الَّذي يفشي أسرار عمله شخصًا مدانًا يستوجب سجنه، بل وفي بعض الأحيان الفصل من مهام وظيفته وغيرها من الإجراءات. ومعلوم أنَّ الموظف بحكم عمله يطَّلع على معلومات تتعلق بمصالح ذلك العمل، كما يطَّلع على بيانات أشخاص آخرين يُمكِن من خلال الحديث عنها أن يسبب الضرر لهم، كما يُمكِن استغلالها للترويج لإشاعات قد تضر مصالح المؤسَّسة، ولا داعي لتوضيح تلك الأضرار؛ لأنَّها معروفة وواضحة لدى الجميع، وبالتَّالي ما يَجِبُ أن يتربى عليه الشخص في بيته من حيثُ حفظ أسرار أُسرته ينعكس ـ بلا شك ـ على ما يمارسه في عمله، فالعلاقة توافقيَّة ما بَيْنَ هذا وذاك.

وإذا كان قديمًا نطاق الحديث عن أسرار العمل محصورًا في بيئة مكانيَّة ضيِّقة بحُكم ضعف وسائل التواصل الاجتماعي، فإنَّ الآن وفي ظل ثورة الذكاء الاصطناعي أصبح المجال واسعًا ولا تحدُّه حدود زمانيَّة ولا مكانيَّة، وبالتَّالي عظمت الإشكاليَّة والمسؤوليَّة في آنٍ واحد، وباتَ الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في القوانين والتشريعات الَّتي تحكم هذا الأمر. فما نشاهده على وسائل التواصل الاجتماعي من ظهور حسابات في مجالات مختلفة تتحدث عن مواضيع وقضايا لأشخاص لم يكُنْ ليتحدثوا أو يجدوا مادَّة إعلاميَّة يستخدمونها في حساباتهم الشخصيَّة إلَّا من خلال اطلاعهم عليها بحكم وظيفتهم وعملهم، فبدأوا في المتاجرة بهذه الأسرار والاستفادة منها في دعم حساباتهم الشخصيَّة وزيادة المتابعين وما يترتب عليه من كسب مادي عَبْرَ المنصَّات الإلكترونيَّة المعروفة، وكُلُّ ذلك في النهاية ينصب في خانة أسرار عمل، والأمر هنا لا يتوقف عند موضوع التوعية واستفادة الآخرين من هذه التجارب؛ فهذا مجال جيِّد لا مانع من طرقه، لكن ماذا يستفيد المشاهد من عرض إجابات الطلبة لاختبار مُعيَّن والتعليق عليها واستخدامها مادَّة للسخريَّة والضَّحك؟ ما الهدف الَّذي تسعى له هذه النوعيَّة من المقاطع المتداولة في هذا المجال، رغم أنَّ الشخص الَّذي يقدِّم هذا المحتوى هو نفسه الشخص الَّذي يَقُوم بالاطلاع على هذه الاختبارات؟ ألا يُعَدُّ ذلك إفشاءً لأسرار العمل؟ وكما أشرتُ سلفًا، ماذا نستفيد من نشر هذه التعليقات؟ هل هنالك جانب توعوي مُعيَّن في هذا الأمر؟ واقعيًّا يَجِبُ الوقوف على هذا الأمر وتفسيره، كما يَجِبُ على الجهة المعنيَّة أن تَقُوم بمساءلتهم وفْقَ الضوابط المحدَّدة في ميثاق العمل. أمَّا المهنة الأخرى المختصَّة بقضايا الأفراد، فسؤالي لهم: هل هنالك فائدة من عرض القضايا والأحداث الَّتي يتمُّ الترافع عنها؟ وهل تمَّ استئذان هؤلاء في الحديث عنهم؟ رغم أنَّ هنالك قضايا يُمكِن معرفة أسماء أصحابها من خلال المُجتمع الَّذي حدثت فيه، والأمر قد يجر بعض الفضوليين للبحث والتقصِّي، وبالتَّالي قد تحدُث إشكاليَّات نحن في غنى عنها، ولا أعتقد أنَّ هذا هو الأسلوب الأنسب إذا كان الهدف توعويًّا، بل يُمكِن استخلاص الفائدة من القضيَّة دون الدخول في تفاصيلها وأحداثها وشخوصها.

إنَّ المتتبع لِمًا آلَتْ إليه هذه الظاهرة وكثرة الحسابات الَّتي بدأت تتزايد لتتاجرَ في هذا المجال ليوجب النظر أولًا ـ كما بدأت المقال ـ في التركيز على تنمية وعي الطفل بأهميَّة حفظ أسرار بيته وعدم إفشائها، وبهذا النمط من التربية سينعكس ذلك على اهتمامه بهذا الجانب في مجال عمله، وما لا يرضاه لنفسه وأُسرته لن يرضاه للآخرين، حتَّى لو أوجد مبرر عدم ذكر الاسم لِيمرِّرَ من خلاله فعلته، كما أنَّ سَنَّ قوانين وتشريعات تحدِّد الضوابط والمعايير الَّتي يَجِبُ اتباعها في هذا المجال لهو كفيل بأن يحدَّ أو يلغي هذه الظاهرة، مع مراعاة هذه القوانين لتطورات ثورة الذكاء الاصطناعي أيضًا.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]