تُدار الأسواق الحديثة بمنطق السيادة الاقتصاديَّة قَبل أنْ تُدار بالقوانين وحدها.. فالسوق الَّذي يترك للقوَّة السوقيَّة يتحول ـ مع الوقت ـ إلى مساحة اختلال لا إلى محرِّك نُمو؛ من هذا المنطلَق تطلُّ حماية المنافسة كأداة سياديَّة واعية لضبط إيقاع السوق، ومنع الاحتكارات المقنعة الَّتي تشوِّه الأسعار وتقيِّد الفرص وتضعف الثقة. وفي الوضع العُماني يَقُوم مركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار بِدَوْر يتجاوز الرقابة التقليديَّة، لِيصبحَ عنصرًا فاعلًا في إدارة التوازن بَيْنَ حُريَّة النشاط الاقتصادي وعدالة المنافسة، وبَيْنَ جذب الاستثمار وحماية المستهلك، فالسوق الصحِّي لا يُقاس بحجم اللاعبين الكبار، وإنَّما بقدرة القواعد المنظِّمة على منع تغوُّل النفوذ غير المشروع، والحفاظ على استقرار الأسعار، وبناء بيئة أعمال قائمة على الكفاءة والشفافيَّة، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي ويمنح النُّمو أساسًا أكثر صلابة واستدامة.
يمتدُّ أثَر حماية المنافسة من ضبط سلوك المنشآت داخل السوق إلى حماية بنية الاقتصاد الكلِّي بأكملها، فكُلُّ ممارسة احتكاريَّة تبدأ كاختلال جزئي سرعان ما تتحول إلى تشوُّه واسع ينعكس على الأسعار والإنتاجيَّة وثقة المستثمِرِين.. من هنا تكتسب التحقيقات في الشكاوى، ورصد إساءة استغلال الوضع المهيمن، ومتابعة التلاعب السعري قِيمة اقتصاديَّة تتجاوز الإجراء القانوني إلى وظيفة وقائيَّة تحمي السوق من تراكم المخاطر؛ ذلك أنَّ السوق المنضبط يُعزِّز كفاءة تخصيص الموارد، ويحدُّ من التقلُّبات غير المبرَّرة، ويخلق بيئة أكثر استقرارًا للقِطاعين الإنتاجي والخدمي.. بهذا المعنى تصبح حماية المنافسة خطَّ دفاعٍ اقتصاديًّا مبكرًا، يحافظ على توازن السوق، ويمنع انتقال الاختلالات من مستوى المنشآت إلى مستوى المؤشِّرات العامَّة، ويؤسِّس لنُموٍّ أكثر اتساقًا مع متطلبات الاستدامة الاقتصاديَّة.
إنَّ حماية الشركات الصغيرة والمتوسطة تُمثِّل حماية في نفس الوقت للمنتج الوطني، حيثُ تُمثِّل تلك الحماية الميزان الأدقَّ لعدالة السوق وفاعليَّة المنافسة؛ لأنَّ أيَّ خللٍ في هذا المستوى ينعكس سريعًا على بنية الاقتصاد بأكملها. فالسوق الَّذي يسمح بإقصاء لاعبيه الأصغر عَبْرَ ممارسات احتكاريَّة أو إغراق سعري يفقد قدرته على التجدُّد، ويتحول إلى مساحة مغلقة تضعف فيها المبادرة ويتراجع الابتكار؛ لذا تظهر أهميَّة التصدِّي للممارسات غير العادلة، وفتح المجال أمام دخول منافسين جُدُد، وضمان تكافؤ الفرص بَيْنَ المنشآت، بوصفها شروطًا أساسيَّة لبقاء السوق صحيًّا وقادرًا على النُّمو. كما أنَّ حماية المنتج الوطني من التشوُّهات السعريَّة تحافظ على الاستثمارات الصناعيَّة القائمة، وتشجِّع التوسُّع والإحلال المحلِّي، وتربط النُّمو الاقتصادي بالإنتاج الحقيقي لا بالمضاربات قصيرة الأجل، لِيصبحَ تمكين هذا القِطاع استثمارًا مباشرًا في استدامة الاقتصاد، وفي بناء سوق متوازن قادر على خلق قِيمة مضافة وفرص عمل مستقرَّة على المدى الطويل؛ لِمَا تحمله تلك المؤسَّسات من قدرات كبيرة في هذا الصَّدد.
إنّ ضبط التركزات الاقتصاديَّة، ومراقبة الاندماجات والاستحواذات، والانتقال نَحْوَ رقابة قائمة على البيانات والتحليل المؤشِّري، تُمثِّل المرحلة الأكثر تقدُّمًا في إدارة السوق وبناء اقتصاد متوازن، فالتحدِّيات الكبرى لا تظهر فجأة، وإنَّما تتراكم بهدوء داخل قِطاعات حسَّاسة قَبل أنْ تنفجرَ في صورة أسعار مرتفعة، خيارات محدودة، وابتكار متراجع.
ومن هذا المنطلَق تأتي أهميَّة الدَّوْر الاستباقي في قراءة المؤشِّرات، ودراسة القِطاعات المؤثِّرة، والتدخل في التوقيت الصحيح قَبل تشكُّل نفوذ سوقي يصعب تفكيكه لاحقًا، لِينقلَ هذا النهج حماية المنافسة من منطق رد الفعل إلى هندسة واعية للسوق، تُدار فيها المخاطر بعقل اقتصادي لا بقرارات طارئة، ما يعني تكامل حماية المنافسة مع مسار التنويع الاقتصادي، لِتؤسِّسَ أسواقًا أكثر كفاءة ومرونة، قادرة على جذب الاستثمار، وحماية المستهلك، وتحقيق نُمو مستدام يستند إلى قواعد عادلة لا إلى اختلالات مؤجلة.