تكاد الرسائل الجماعيَّة الَّتي تصل من ولايتي الصغيرة إلى الأعضاء المضافين إليها لا تتوقف، تشرح ظروف وأحوال عدد كببر من الأُسر الَّتي تتزاحم في فضاءات الفقر وتدخل سجلَّ القوائم المتراكمة طلبًا للمساعدات الماليَّة من الموسرين والأغنياء والمقتدرين الَّذين يستبينُ عنهم هذا الفضاء كأقليَّة أمام فيضان الأكثريَّة من المحتاجين الموعزين، تتحدث تلك الرسائل وتعلن وتصرِّح عن الغلاء الفاحش في أسعار المواد الغذائيَّة الأساسيَّة، وضعف الدخول الَّتي باتتْ غير قادرة على الوفاء بالأساسيَّات والضروريَّات من احتياجات الفرد والأُسرة، عن التسريح، وشباب وشابَّات باحثين عن فرص عمل من سنوات لم يَعُدْ يرَون حتَّى بصيص أمل في الحصول عليها.. تصلنا الرسائل وهي تبثُّ المرارة والشكوى وتحرِّك العواطف، وتُثير المشاعر وتستحث النَّخوة والشَّهامة والمروءة، وتستعين بآيات قرآنيَّة وأحاديث نبويَّة تمتدح وتمجِّد الصدقات ومساعدة الفقراء وأثرها الطيِّب وثوابها العظيم في الآخرة... فتشرح وتتحدث عن عائلات وبيوت تعاني من العجز عن تسديد فاتورة كهرباء، وشراء ثلاجة، وتوفير مكيَّف وترميم جزء من بيت وقع سقفه أو سقط جداره، أُسرة تعيش في أوضاع مزرية، وفي بيت متداعٍ للسقوط، وربّ عائلة عاجز عن توفير متطلبات أفرادها الضروريَّة والأساسيَّة ومستلزمات مدارس أبنائه... وصوَر وقصص ووصف لحال محزن لا يكاد العقل يصدقه، من أنَّها فعلًا حقيقيَّة وفي بلادنا الغالية عُمان، الَّتي تتميز بانخفاض عدد سكَّانها، وامتلاكها لثروات وموارد كافية للحاضر والمستقبل فيما لو استثمرت بذكاء وخبرة وبراعة، ووظِّفت بما يُحقق مصالح المُجتمع ويُلبِّي احتياجات الشريحة الفقيرة فيه، وفرضت عليها رقابة صارمة، تغلق منافذ الفساد وتسدُّ أبوابه وتؤدِّب كُلَّ مَن يتطاول على المال العام، النفط والغاز والبحار والأسماك والقرى والأرياف الزراعيَّة والطُّرق والموانئ والمواقع الاستراتيجيَّة والتنوع والمعالم والصروح والآثار السياحيَّة، والأغنياء الكبار الَّذين تتوزع استثماراتهم في الداخل والخارج مصحوبًا بالسؤال عن إسهاماتهم الَّتي يفترض أن تُوظَّف في معالجة مشكلات وأسباب وآثار الفقر، والكثير منهم اغتنى واستفاد من النهضة الحديثة بأشكال مختلفة ـ فتاريخنا يفيض بالصوَر والنماذج والقصص والمواقف المشرِّفة عن التكافل ووقف الأموال المخصَّصة للمتعلمين والمعلِّمين والفقراء والمساجد والمدارس ـ وليس أخيرًا الثروة البشريَّة المتعلمة من شباب الوطن الطموح والعاشق لعُمان... هذا المشهد العام لصوَر التباكي والشكوى وتنامي طلب المساعدات، وبسطات البيع في الشوارع الرئيسة والفرعيَّة الَّتي تزداد يوميًّا، وأعداد الباحثين والمسرَّحِين الَّتي ترتفع، والنقد اللاذع والهجوم الواسع والطرح المليء بالإحباط والتشاؤم المصحوب بقصص ومواقف تثير الاستغراب حَوْلَ نصوص واشتراطات وإجراءات صندوق الحماية الاجتماعيَّة، الَّذي أقرَّ ليعالج ويخفِّف من مشاكل الفقراء، ويسهم في مساعدتهم، وتعزيز قدراتهم الماليَّة، فإذا هو يصبح مُشْكلة وعائقًا وفقًا لمحتوى ذلك الطرح المكثَّف الَّذي تحوَّل إلى حالة عامَّة ومادَّة دسمة تكاد تغرق وسائل التواصل ممَّا لا يُمكِن تجاهله وادِّعاء أنَّه ينافي الحقيقة وبعيد عنها. لا يُمكِن بأيِّ حال من الأحوال تجاهل المشكلات الَّتي تتسبب بشكل مباشر في نُمو وتفاقم أعداد الفقراء، ولا يُمكِن التغاضي عن الواقع المرير بمؤشِّراته ورسائله الواضحة والجليَّة، ثم الاتكاء على معالجات آنيَّة ومؤقتة، لا تسهم في تعزيز دخول الأُسر بما يتناسب مع توفير الضرورات، وتحقيق التوازن بَيْنَ الدخل وأسعار السلع والخدمات في السوق، ولا يُمكِن كذلك، تناسي أن مشاكل كبيرة وعميقة مثل: نُمو المسرَّحِين عن العمل، والباحثين عن فرص وظيفيَّة في سوقه، وخسائر المشاريع الصغيرة والمتوسطة بسبب ضعف القوَّة الشرائيَّة وخلل السوق ومنافسة الأجنبي الشرسة وارتفاع وإقرار الضرائب والتخلِّي الحكومي عن دعم الكثير من الخدمات والعجز عن سداد الديون وتراجع الدخول... جميعها أسهمت في نُمو شرائح الفقراء وعمَّقت من محنتهم، وانعكاساتها الخطيرة على المُجتمعات معروفة للجميع أثبتتها الدراسات والمشاهد؛ فانتشار تجارة الممنوعات والمخدرات والجرائم بأشكالها، ونُمو السرقات، وتغلغل واتساع وازدياد مسارب ومداخل وأشكال وصوَر الفساد، وانفتاح الشَّباب على الأفكار والدَّعوات الفاسدة والمنحرفة والتخريبيَّة يصبح سهلًا ومقبولًا الاقتناع والانضمام إليها، وانهيار منظومة الأمن والاستقرار وروح وقوَّة القانون متوقعة في ظل ارتفاع مؤشِّرات الفقر وتعاظم عدد الفقراء المحتاجين المحرومين من أبسط متطلبات الحياة الكريمة... لقد توقَّعنا وآمنَّا وكنَّا على قدر عالٍ من الثقة بأنَّ منظومة الحماية الاجتماعيَّة الَّتي تمَّ التنظير لها والتسويق على أنَّها أقرَّت لمساعدة الفقراء والإسهام في رفع دخولهم واستقرار الأُسرة المالي وتحقيق الازدهار، سوف تنجح في معالجة المشكلة والحدِّ منها، ولكن ما نراه وفقًا للملاحظات والظواهر والمؤشِّرات الَّتي تناولها المقال، وتنمو باستمرار، فإنَّ الأزمة في ارتفاع وزيادة وانتعاش، تدقُّ ناقوس الخطر، وتدعو المؤسَّسات الحكوميَّة المعنيَّة بها إلى وضع الحلول السريعة، دراسةً وتشريعًا وتطبيبًا ومداواةً، تُحقق الازدهار والاستقرار والتوازن المالي للأُسرة العُمانيَّة. تناول كِتاب «اقتصاد الفقراء»، للكاتبَيْنِ «أبهيجيت بانرجي، وإسترد دوفلو»، ملف الفقر، تشخيصًا وعلاجًا وقراءة عميقة متخصِّصة، قد تُفيد صنَّاع القرار في بلادنا لدراسة وعلاج الفقر. يتحدث الكِتاب بأنَّ «الدول الفقيرة ليس محكومًا عليها بالفشل؛ لكونها فقيرة أو لكونها مرَّت بتاريخ حافل بالبؤس»، بمعنى أنَّ الَّذي يزيد من عدد الفقراء، الفساد ورداءة العمل المؤسَّسي وضعف تطبيق القوانين والسياسات المنحرفة. وفي محور آخر لأسباب الفقر، يشير إلى أنَّ «المخاطر تُمثِّل جزءًا أساسيًّا من واقع حياة الفقراء، فَهُم غالبًا ما يُديرون مشروعات صغيرة أو مزارع، أو يعملون بالمياومة دُونَ أن تتوافر لدَيْهم أيُّ ضمانة للحصول على عمل منتظم، وفي مثل تلك الحياة يُمكِن لأيِّ حظ عاثر أن يتسبب في عواقب وخيمة». ويثير في فصل آخر، نقطة في غاية الأهميَّة تتعلق بالنظرة العامَّة إلى الفقراء والَّتي تتسم بالبساطة والتجاهل والسطحيَّة... «لقد ظلت الرغبة لاختزال الفقراء في مجموعة من العبارات المبتذلة ديدننا منذ أن ظهر الفقر على وجْه الأرض، فالفقراء يظهرون في النظريَّة الاجتماعيَّة مثلما يظهرون في الأدب بالتتابع، كسالى أو مغامرين، نبلاء أو لصوصًا، غاضبَيْنَ أو مذعنين، عاجزين أو مكتفين بذواتهم. وليس من قبيل المفاجأة أنَّ نماذج السياسات الَّتي تتماشى مع هذه النظرة للفقراء تنحصر على الأرجح أيضًا في صيغ بسيطة من قبيل «أوجدوا للفقراء أسواقًا حُرة»، «اهتموا بحقوق الإنسان»، «انزعوا فتيل الصراعات أولًا»، «امنَحُوا آمالًا أكثر لهؤلاء الأشد فقرًا»، «إنَّ المساعدات الخارجيَّة تقتل التنمية» وما شابَه. إنَّ هذه الأفكار كُلَّها تنطوي على جوانب مهمَّة من الحقيقة، ولكنَّها نادرًا ما تفرد مساحة كبيرة لفقراء عاديين من نساء ورجال، بما يحملونه من آمال وشكوك، أو قيود وطموحات...».
سعود بن علي الحارثي