أسهم الاعتراف «الإسرائيلي» بما يعرف بجمهوريَّة أرض الصومال (صوماليا لاند) الأسبوع الأخير من ديسمبر الماضي في تسليط الضوء على الجغرافيا السياسيَّة للصومال بمختلف أقاليمها.
فقد تميزت الصومال الواقعة بشرق إفريقيا بالقرن الإفريقي والَّتي يحدها شمالًا خليج عدن وبحر العرب، ومن الشرق والجنوب المحيط الهندي، ممَّا جعل لها أطول ساحل بالقارَّة الإفريقيَّة يزيد عن ثلاثة آلاف وثلاثمئة كيلومتر، فضلًا عن مجاورتها لإثيوبيا وكينيا وجيبوتي.
ظل هذا الموقع الاستراتيجي يشكِّل رقمًا صعبًا أمام محاولات استدامة استقرار الصومال منذ سقوط حكم سياد بري (1969-1991) وكان اسمها حينها جمهوريَّة الصومال الديمقراطيَّة؛ إذ كان حكمه محوريًّا بالتاريخ الحديث للصومال حيثُ شكلت أيَّامه الأخيرة بداية انهيار الدولة المركزيَّة وظهور الفوضى والنزعات الانفصاليَّة.
وقد فشلت كُلُّ محاولات إعادة الحكومة المركزيَّة القويَّة بعد سقوط سياد بري 1991؛ لذلك بدأت جهود استقرار الدولة تحت ضغط المُجتمع الدولي عَبْرَ مؤتمر سلام ببدايات عام 2000م، تلاه تكوين حكومة انتقاليَّة فيدراليَّة كخطوة أولى نَحْوَ تأسيس النظام الفيدرالي فأعلن الدستور الفيدرالي للبلاد عام 2012 بموافقة الجمعيَّة الوطنيَّة الانتقاليَّة، فحوّل الدستور اسم الدولة إلى جمهوريَّة الصومال الفيدراليَّة.
ويضم النظام الفيدرالي الصومالي خمسة أقاليم فيدراليَّة رئيسة وهي بونتلاند عاصمته غرووي وإقليم جوبالاند وولاية جنوب غرب الصومال وإقليم مقديشو وإقليم أرض الصومال وعاصمته هرجيسا، فتمتعت تلك الأقاليم بقدر من الحكم الذَّاتي حيثُ تتولى الحكومة المركزيَّة مسؤوليَّة الدفاع والسياسة الخارجيَّة والنقديَّة، في حين استفاد إقليم صوماليا لاند من فترة عدم استقرار البلاد بعد سقوط سياد بري في 1991 فأعلن انفصاله عن الحكومة الفيدراليَّة دُونَ اعتراف دولي به كدولة إلَّا من «إسرائيل» مؤخرًا.
وعليه، يُمكِن تناول التداعيات الجيوسياسيَّة للاعتراف «الإسرائيلي» كتداعيات قد تتجاوز القرن الإفريقي لما يحمله بطيَّاته من تحوُّل نوعي بمعادلات القرن الإفريقي والبحر الأحمر لتمتع الإقليم بموقع على خليج عدن أحد الممرَّات البحريَّة الحيويَّة المرتبطة بمضيق باب المندب الرابط بَيْنَ المحيط الهندي والبحر الأحمر.
لذلك يزيد هذا الاعتراف المخاوف من حدوث ارتدادات سياسيَّة وعسكريَّة واقتصاديَّة متشابكة قد ينعكس تأثيرها على مسارات الملاحة الدوليَّة بما قد يقود إلى تسييس الممرات البحريَّة واستدعاء اصطفافات عسكريَّة قد ترفع منسوب المخاطر، وتضاعف كلفة التأمين والشحن، خصوصًا في ظل الرفض الواسع لهذا الاعتراف.
وقد يتم النظر لهذا الاعتراف كخطوة مغرية لحركات انفصاليَّة أخرى بإفريقيا الَّتي تعاني أصلًا من هشاشة الدولة الوطنيَّة بما قد يقود لإعادة رسم حدود بإفريقيا وتهديد الاستقرار، وإعادة فتح ملفات انفصاليَّة متعددة.
كما أنَّ أيَّ تبديل بتوازنات البحر الأحمر سيقود بالنتيجة إلى حالة من الدربكة في السائد على خريطة النفوذ على موانئ البحر الأحمر والخطوط اللوجستيَّة لتلك الموانئ ممَّا قد يطيل أمد الصراعات بتلك المنطقة بدلًا من دفعها نَحْوَ تسوية مستدامة.
وفي حال ترافق الاعتراف مع ترتيبات أمنيَّة فإنَّ ذلك ستنشأ المخاوف من استخدام صوماليا لاند كساحة نفوذ قد تنعكس بشكل أو بآخر على بيئة أمن القرن الإفريقي، فيما تُعَدُّ تلك الترتيبات الأمنيَّة إن وقعت مكسبًا إيجابيًّا لـ»إسرائيل» يضمن لها بعضًا من أمنها الملاحي التجاري واللوجستي المتأثر بتداعيات مواجهاتها مع الحوثيين كنتيجة لحربها على غزَّة.
أمَّا اقتصاديًّا فإنَّ التداعيات الجيوسياسيَّة رُبَّما تؤثِّر اقتصاديًّا على جيبوتي وإثيوبيا الَّتي ستكُونُ المستفيد الأكبر لوجستيًّا؛ كونها سبق أن وقعت العام المنصرم اتفاقًا مع صوماليا لاند يضمن لها منفذًا بحريًّا على ميناء بربرة رغم أنَّها لم تعترف رسميًّا بها كدولة مستقلَّة؛ إذ إنَّ وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيُقلِّل اعتمادها على جيبوتي، وبالتَّالي بروز حالة من الضغط التنافسي على المكانة الاقتصاديَّة لجيبوتي كمحور عبور له أهميَّته الاقتصاديَّة الكبرى بتلك المنطقة.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»