الأربعاء 07 يناير 2026 م - 17 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : ميزانية 2026 .. من التحوط المالي إلى هندسة النمو والاستقرار

السبت - 03 يناير 2026 03:27 م

رأي الوطن

50


تأتي ميزانيَّة سلطنة عُمان لعام 2026 امتدادًا لنهج مالي راسخ اعتادت عليه الدولة في إدارة مواردها عَبْرَ عقود من التعامل مع تقلُّبات أسواق الطاقة ودَوْرات الاقتصاد العالمي؛ فالتحوُّط المالي شكَّل دائمًا أحد أعمدة الرؤية العُمانيَّة في إدارة المال العام، وهو ما ينعكس بوضوح في اعتماد متوسط سعر نفط عند (60) دولارًا للبرميل، وهو خيار يعكس قراءة واقعيَّة للمخاطر المحيطة بالاقتصاد العالمي، وتوازنًا محسوبًا بَيْنَ الطموح والحذر. فهذا النهج يظهر اليوم في صورة أكثر نضجًا، حيثُ يقترن التحفظ السعري بقدرة أوضح على ضبط العجز، وإدارة الدَّيْن العام، ورفع كفاءة الإنفاق دون الإخلال بالالتزامات التنمويَّة والاجتماعيَّة، كما أنَّ انخفاض العجز إلى مستويات محدودة قياسًا بالناتج المحلِّي والإيرادات يكشف أنَّ الماليَّة العامَّة باتتْ تُدار بمنطق الاستباق لا بمنطق رد الفعل، وهو ما يمنح الاقتصاد قدرة أعلى على امتصاص الصدمات والحفاظ على استقراره. لقد ظهرت ميزانيَّة 2026 كحلقة متقدمة في مسار إدارة هادئة ومتدرجة، مسار يضع الاستقرار في موقع القاعدة الَّتي يبنى عليها النُّمو، ويؤكد أنَّ الواقعيَّة الماليَّة أصبحت جزءًا أصيلًا من هُوِيَّة القرار الاقتصادي العُماني.

إنَّ الأرقام الَّتي أعلن عنها تكشف عن ميزانيَّة تتحرك بعقل منظَّم، تستخدم الإنفاق لتوجيه النشاط الاقتصادي، وتحوّل الاستقرار المالي إلى منصَّة إنتاج، حيثُ يصبح المال العام أداة تحفيز تخلق حركة، وتبني ثقة، وتدفع الاقتصاد نَحْوَ نُمو أوسع وأكثر توازنًا؛ فقد قدَّمت ميزانيَّة 2026 صورة مختلفة لِدَوْر الإنفاق العام، صورة تتجاوز فكرة السيطرة على العجز إلى إعادة هندسة مسار النُّمو ذاته، فتمَّ تخصيص ما يقارب (1.3) مليار ريال عُماني للمشروعات الإنمائيَّة ضمن إطار الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة، إلى جانب استحداث مسار مستقل لمشروعات التحوُّل الاقتصادي بتمويل سنوي يبلغ (400) مليون ريال عُماني، وهو ما يعكس توجُّهًا عمليًّا نَحْوَ ربط المال العام بالعائد الاقتصادي المباشر، كما يظهر هذا التوَجُّه كذلك في ارتفاع المصروفات الاستثماريَّة المتوقعة إلى نَحْوِ (1.4) مليار ريال عُماني، بما يسرع وتيرة تنفيذ المشروعات ويخلق طلبًا حقيقيًّا على الخدمات والمقاولات وسلاسل التوريد المحليَّة، حيثُ يسجل الاستثمار الأجنبي المباشر نموًّا لافتًا ليصلَ إلى (30.3) مليار ريال عُماني حتَّى الربع الثالث من 2025، بَيْنَما ترتفع القِيمة السوقيَّة لبورصة مسقط إلى أكثر من (32) مليار ريال عُماني، وهو ما يعكس تفاعل السوق مع وضوح السياسات واستقرار التوجُّهات.

تظهر ميزانيَّة 2026 توجُّهًا واضحًا نَحْوَ تحريك السوق من الداخل عَبْرَ تعظيم القوَّة الشرائيَّة للمُجتمع؛ باعتبارها المدخل الأكثر استدامة لتنشيط الاقتصاد الحقيقي، فرفع مخصَّصات منظومة الحماية الاجتماعيَّة إلى نَحْوِ (614) مليون ريال عُماني واتساع قاعدة المستفيدين لتتجاوزَ (1.6) مليون مواطن يعني ضخ سيولة مستقرَّة في شرايين السوق، سيولة تتحول مباشرة إلى طلب على السلع والخدمات والإسكان والنقل والتعليم والصحَّة، ويتعزز المسار أيضًا بدعم التشغيل وتخصيص (100) مليون ريال سنويًّا لبرامج التوظيف خلال الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة، إلى جانب الترقيات وتوسيع التعيينات في القِطاعات الحيويَّة، ما يرفع الكتلة الداخليَّة النشطة ويسرِّع دَوْرة الإنفاق والاستهلاك، كما يظهر دَوْر القِطاع الخاص بصورة مختلفة. فالسوق لم يَعُدْ ينتظر دفعة مناقصات موسميَّة، وإنَّما يتلقى طلبًا يوميًّا متناميًا نابعًا من مُجتمع أكثر قدرة على الشراء، هذا التحوُّل يُعِيد تعريف العلاقة بَيْنَ الدولة والسوق، حيثُ تتحول الميزانيَّة إلى محفِّز للطلب لا متعهِّد وحيد له، ويصبح القِطاع الخاص لاعبًا أساسيًّا في التقاط الفرص، وتوسيع الأعمال، ورفع الإنتاجيَّة. فالنتيجة المتشكلة هنا اقتصاد يتحرك بإيقاع أسرع، وسوق أكثر حيويَّة، ودَوْرة نقديَّة تتوسع من القاعدة إلى القمَّة، بما يرسِّخ نموًّا يتكئ على الاستهلاك المنظَّم والثقة المُجتمعيَّة.

تغلق ميزانيَّة 2026 دائرتها التحليليَّة عَبْرَ تثبيت فكرة محوريَّة مفادها أنَّ الاستقرار الاجتماعي أضحى ركيزة بناء اقتصادي ممتد، فتخصيص ما يقارب (5.2) مليار ريال عُماني للقِطاعات الاجتماعيَّة والأساسيَّة، بما يعادل (44) بالمئة من إجمالي الإنفاق العام، يكشف تصورًا يَعدُّ التعليم والصحَّة والحماية الاجتماعيَّة والإسكان عناصر إنتاج غير مباشرة، تصنع الثقة وتؤسِّس لسوق أكثر تماسكًا؛ فوسع الإنفاق على التعليم ورفد المدارس بآلاف المُعلِّمين، إلى جانب استكمال إنشاء المستشفيات والمراكز الصحيَّة وتعيين الكوادر الطبيَّة، يُعزِّز جودة رأس المال البشري، ويمنح الاقتصاد قاعدة بشريَّة أكثر قدرة على العمل والإنتاج، وفي الوقت ذاته يعكس استمرار دعم منظومة الحماية الاجتماعيَّة إدراكًا عميقًا بأنَّ الطمأنينة المعيشيَّة تشكِّل شرطًا أساسيًّا للاستقرار الاستثماري، حيثُ يتحرك السوق بثقة عندما يشعر المُجتمع بالأمان الوظيفي والخدمي.. فهذه المقاربة تربط بَيْنَ العدالة الاجتماعيَّة وجاذبيَّة الاقتصاد، وتقدِّم نموذجًا يرى في الإنسان محورًا للتنمية لا عبئًا عليها.. عند هذه النقطة، تكتمل صورة ميزانيَّة 2026 كميزانيَّة توازن بَيْنَ الانضباط والطموح، وتبني النُّمو على قاعدة اجتماعيَّة صلبة، بما يحوِّل الاستقرار إلى أصل اقتصادي طويل الأجل، ويمنح المسار التنموي قدرة أعلى على الاستمرار في عالم سريع التقلب.