الجمعة 03 أبريل 2026 م - 15 شوال 1447 هـ

أضواء كاشفة : ماذا نريد من 2026؟

أضواء كاشفة : ماذا نريد من 2026؟
الثلاثاء - 30 ديسمبر 2025 08:20 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

180

ساعات قليلة ونستقبل عام 2026م ولكنَّنا نحمل في جعبتنا أثقال أعوام مضطربة مضت.. أعوام امتلأت بالأزمات والصراعات والكوارث والأخبار القاسية الَّتي أصبحت جزءًا من نشراتنا الإخباريَّة اليوميَّة، سواء بالحروب الَّتي تعصف بالعديد من الدول هنا وهناك، أو الأزمات الاقتصاديَّة الَّتي تثقل كاهل الأُسر أو التحوُّلات الاجتماعيَّة السريعة الَّتي تربك القِيَم أو التقدم التقني المذهل الَّذي يسبق أحيانًا استعداد الإنسان له.

وسط هذا الواقع المضطرب يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا نريد من 2026؟

لا شك أنَّنا نريد من العام الجديد أن تطغى فيه الإنسانيَّة على المصالح، والضمير على القوَّة.. فقد أنهكت الصراعات العالمٍ وأصبحنا نحتاج إلى مَن يُعِيد الاعتبار لقِيمة الإنسان أيًّا كان موطنه أو لُغته أو معتقده.. نريده عامًا لا يحمل أيَّ صورة من صوَر الدمار، وتصبح الأغلبيَّة فيه لصوت السلام.

نريد من 2026م في ظل الأزمات الاقتصاديَّة وارتفاع تكاليف الحياة أن تُدار فيه الموارد بعدل بصورة تُحقق الاستقرار الَّذي يؤدي بِدَوْره إلى الشعور بالأمان.. فنريده عامًا يحمل الأمل لكُلِّ مَن ضاقت بهم السبل.. وأن تشهد فيه سلطنة عُمان، بل كافَّة دول العالم، الرخاء والرفاهيَّة الَّتي يستحقها الإنسان في كُلِّ مكان.

أمَّا على المستوى الاجتماعي فنريد في 2026 أن يستعيد الإنسان توازنه وسط هذا العالم المتسارع الخُطى.. فلا أحد ينكر أنَّ التكنولوجيا غيَّرت طريقة تفكيرنا وتواصلنا، لكنَّها أيضًا أبعدتنا عن بعضنا البعض.. فنريده عامًا يُستخدم فيه التقدم للبناء لا للعزلة، ويمتد فيه جسر التفاهم لا الانقسام.

أمَّا الشباب، وهم بالتأكيد أكثر فئة تتأثر بتقلبات المرحلة.. فنريد من 2026 أن يمنحهم الثقة لا الخوف، والفرص لا القيود.. عامًا يحمل لهم بشريات المستقبل المشرق الَّذي لن يتحقق إلَّا إذا كان لهم دَوْر حقيقي في صناعته رغم كُلِّ التحدِّيات.. وما يَجِبُ أن يعيَه كُلُّ شاب أنَّ الأحلام لا تتحقق وحدها، بل بالعمل والصبر والإصرار.

وفي ظل كُلِّ ما يحدُث نريد في 2026 أن يدرك الجميع في كُلِّ مكان، خصوصًا السَّاسة أنَّ العالم لا يحتاج المزيد من الصراخ والقوَّة المفرطة غير المبررة، بل المزيد من الحكمة والعدالة والوعي؛ لأنَّ الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح فقط والاستقرار لا يتحقق بالقوَّة، بل بالعدل واحترام الإنسان ومنحه حقَّه في الحياة الكريمة.. فنحن نريده عامًا نصلح فيه ما أفسدته الفوضى، ونبني عليه واقعًا أكثر رحمة وتآلفًا وأمانًا واستقرارًا.. نحن لا نطلب أن يمحوَ العام الجديد الماضي بكُلِّ مرارته ومآسيه، بل نريد أن نتعلم من أخطاء الماضي حتَّى لا نكررها في المستقبل.

نريده عامًا أقلَّ ضجيجًا وأكثر صدقًا وليس رقمًا جديدًا نعلِّقه على الجدران، بل صفحة بيضاء تضم أفعالًا وأقوالًا تترك آثارًا إيجابيَّة تحمل الخير لأرواحنا وواقعنا.. نريد أيَّامه لا تُقاس بالعدد ولكن بما قدَّمته للبشريَّة من عدالة وحق.. أيَّام تآلفت فيها القلوب وقلَّت بَيْنَها المسافات وأصبح الحوار بَيْنَها جسرًا لا سلاحًا.. نريده عامًا أكثر سلامًا في المُدن والبيوت وفي دواخلنا.

نريد من عامنا الجديد كذلك أن تستعيد فيه الثقافة قِيمتها اللائقة بها بوصفها وعيًا لا ترفًا وحصنًا يحمي المُجتمعات من الانقسام والتطرف.. ففي زماننا هذا اختلطت المفاهيم وانتشرت المعلومات المضلِّلة.. لذلك فإنَّنا بحاجة إلى ثقافة تنير العقول، وتعزز الحوار وتحفظ الهُوِيَّة مع انفتاح واعٍ على العالم.

أمَّا على المستوى التعليمي فنريد من 2026 أن يكُونَ عامًا لإصلاح حقيقي لا شعارات عابرة.. خصوصًا أنَّ المناطق المتأثرة بالنزاعات والأزمات الاقتصاديَّة، حيثُ تمرُّ فيها المنظومة التعليميَّة بمُشْكلة حقيقيَّة.. لذلك نريده عامًا يتمتع فيه الطلاب في كُلِّ مكان بحقِّ التعليم الَّذي ينمِّي التفكير النَّقدي الواعي، ويربط المعرفة بالقِيَم.. عامًا تستعيد فيه المدرسة والجامعة دَوْرهما في بناء الإنسان ويتمكن فيه الشباب العربي من المنافسة العالميَّة دُونَ أن يفقدَ انتماءه أو لُغته أو ثقافته.. فقد أصبحت التكنولوجيا سلاحًا ذا حدَّيْنِ إمَّا وسيلةً للمعرفة والابتكار أو أداةً للتضليل والتفكك.. لذا نريده عامًا توظَّف فيه التقنيَّات الحديثة لخدمة التعليم والثقافة مع تعزيز الوعي الإعلامي والفكري لدى الأجيال الجديدة؛ كَيْ تحسنَ التعامل مع الثورة الرقميَّة.

لسنا نطلب من 2026 معجزات أو أن يغيرَ الواقع بَيْنَ ليلة وضحاها أو أن يكُونَ عامًا بلا تحدِّيات.. فالتحدِّيات جزء من مَسيرة الأُمم.. ولكن نطلب منه فرصة صادقة لِنكُونَ أفضل وأقرب إلى ما نريد أن نكُونَه حقًّا.. عامًا تكُونُ فيه الإرادة أقوى من الأزمات والصراعات والأمل أكبر من الخوف والعالم أكثر عدالة والإنسان أكثر كرامة.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني