نُختبر جميعًا بَيْنَ الفينة والأخرى، ونُصاب بنزلة بردٍ شديد، ولكن سرعان ما تتخلص رئتاك أو حلْقك من المخاط المتراكم، وتهدأ الخشخشة في صدرك، بل وتصبح جيوبك الأنفيَّة بعد التَّعافي واضحة، وكُلُّ شيء سهلًا، وأنتَ تتنفَّس ببساطة... فالحمد لله!
ومع ذلك، تخيَّل أنَّك لَمْ تكُنْ قادرًا أبدًا على التنفُّس ببساطة. تخيَّل أنَّ المخاط (السَّميك والغزير) يتراكم منذُ لحظة ولادتك، ممَّا يحبس الهواء ويحبس الميكروبات لِتتفاقمَ داخل رئتَيْك. تخيَّل أنَّك تقضي ساعة كُلَّ يوم في إخراج المخاط جسديًّا من مجراك الهوائي، ولكن حتَّى في ذلك الوقت، فإنَّ وظيفة رئتك ستتَّجه للأسوأ، وينتهي إلى اختناق طويل وبطيء. كان هذا هو ما يعنيه ذات يوم ـ حفظكم الله ـ أن تولدَ مُصابًا بالتليُّف الكيسي.
كان التليُّف الكيسي يضمن الوفاة المبكِّرة في الماضي، حيث تمَّ التعرُّف على المرض لأوَّل مرَّة، في ثلاثينيَّات القرن العشرين، فكان مُعْظم الأطفال الَّذين يولدون مُصابِينَ بالتليُّف الكيسي يموتون في مرحلة الطفولة. كانت العقود التَّالية بمثابة طفرة من التقدُّم الطبِّي المتزايد، حيث إنَّه وفي أوائل العقد الأوَّل من القرن الحادي والعشرين، ومع تطوُّر العلاج أصبح المُصاب يصلُ لعمرٍ يتعدَّى سنَّ الخامسة والثلاثين. واليوم ـ والحمد لله ـ هناك دراسات حديثة تؤكِّد أنَّ أولئك الَّذين يبدؤون تناول الدواء في مرحلة المراهقة المبكِّرة، يُمكِنهم أن يتوقَّعوا البقاء على قَيْد الحياة حتَّى سنِّ الثَّمانين عامًا، وهو عمر طبيعي في الأساس!
في الواقع، تمَّ تسمية التليُّف الكيسي في الأصل نسبة إلى الأكياس الليفيَّة الَّتي شاهدها أخصائي عِلْم الأمراض في ثلاثينيَّات القرن العشرين في بنكرياس الأطفال الَّذين ماتوا. وقَدْ ساعد ذلك الاكتشاف المبكِّر الأطبَّاء، على التغلُّب على ذلك الخلل بالبنكرياس. وعلى الرّغم من أنَّه يُمكِن استبدال الإنزيمات المفقودة بأقراص، إلَّا أنَّه وبحلول وقت تشخيص عددٍ من الحالات، كان التليُّف الكيسي معروفًا بأنَّه مرَض في الرئتَيْنِ، حيث يُشكِّل المخاط اللَّزج أرضًا خصبة للبكتيريا، مع دَوْرة العدوى والتندُّب المتكرِّرة، والَّتي تنتهي بشكلٍ مؤسف في النِّهاية إلى فشلِ الرئتَيْنِ. ناهيك عن ذلك، حتَّى لو عاش ذلك المُصاب لفترة كافية، فإنَّ التليُّف الكيسي غالبًا ما يسبِّب مشاكل في الخصوبة ـ لدى العديد من النِّساء ـ حيث يعتقد أنَّ مخاط عُنق الرَّحم السَّميك يمنع الحمل، وهكذا بالنِّسبة للرِّجال، وقنوات الخصوبة!
ومع ذلك كُلِّه، هنالك مؤسَّسات طبيَّة عالَميَّة مستمرَّة في تمويل الأبحاث الرَّامية إلى إيجاد علاج للجميع، خصوصًا مع اكتشاف العلاجات الجينيَّة، وأكيد بتطبيق الدروس المستفادة من إخفاقات الماضي. ولكن يجِبُ أن نعيَ أنَّه لا يزال هنالك سنوات، إن لَمْ تكُنْ عقودًا، لِتَحقيقِ اختراق في العلاج الجيني الخاصِّ بالتليُّف الكيسي. وعلى الصَّعيد العالَمي، فإنَّ نسبة الأشخاص غير المشخَّصين أعلى في آسيا وإفريقيا، حيث يتأخر تشخيص وعلاج التليُّف الكيسي أيضًا. وللأسف حتَّى في مُعْظم البلدان الناميَّة، حتَّى المَرضَى المؤهّلون لا يستطيعون الحصول على أحَد الأدوية الفعَّالة مِثل (تريكافتا)؛ وذلك لأنَّ المصنع لا يبيع لتلك الدوَل؛ لأنَّه باهظ الثَّمن ولا تريد أن تقلِّلَ من سِعره!
بطبيعة الحال، فإنَّ متوسِّط العمر المتوقَّع لمريض التليُّف الكيسي، على الرّغم من تحسُّنه، يبلغ حوالي أربعين عامًا، ولكن تُعَدُّ مضاعفات الرِّئة هي أشدَّ أعراض التليُّف الكيسي، ناهيك عن تأثيرات التليُّف الكيسي على الأعضاء الأخرى، مِثل الأمعاء والبنكرياس والكبد.
ولأهمِّية الموضوع، يجِبُ أن نعيَ أنَّه يقدَّر معدَّل انتشار التليُّف الكيسي في سلطنة عُمان بعشرة أفراد لكُلِّ مئة ألف فرد. وهنا أؤكِّد وأنصح بالاستشارة الوراثيَّة قَبل الزواج والاختبار الجيني في المناطق أو المحافظات الَّتي ينتشر فيها التليُّف الكيسي هذا!
ختامًا، إنَّ اختراق التليُّف الكيسي والسَّعي لعلاجه غيَّر كُلَّ شيء، فقَدْ كان سابقًا هذا المرَض يضمن الوفاة المبكِّرة، لكنَّ العلاج الجديد أعطى العديد من المَرضَى فرصة للعيش لعقود أطول من المتوقَّع. لقَدِ اقترب ذلك المريض بما فيه الكفاية لِيرَى ظلَّ الموت، فقط لِيتمَّ سحبُه الآن مرَّة أخرى إلى حياة أصبحت لِتصبحَ مألوفة. ماذا سيفعل بحياته غير المتوقَّعة، بعد أن ساعدت هذه الأدوية ـ بعد رحمة الله ـ أن تطيلَ عمره!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي