مع احتدام التنافس العالمي على الموارد الطبيعيَّة، ولا سِيَّما المعادن النادرة والحرجة، باتَ هذا التنافس يُمثِّل سيفًا ذا حدَّين بالنسبة للمنطقة العربيَّة فإمَّا أن يتحول إلى رافعة لتعزيز النفوذ والتنمية المستدامة، أو أن يُعِيد إنتاج الصراعات. ويتحدد المسار بَيْنَ هذين الخيارين بمدى قدرة الدول العربيَّة على توظيف مواردها ضِمن رؤية تستوعب تحوُّلات النظام الدولي، وتضع المصالح العربيَّة في صلب المعادلة.
فلم يَعُد التنافس الدولي على الموارد مقتصرًا على النفط والغاز، بل تحوَّل إلى صراع متعدِّد الأبعاد يشمل الطاقة التقليديَّة، والمعادن الاستراتيجيَّة، والمياه، والغذاء.
لأكثر من نصف قرن، شكَّلت المنطقة العربيَّة ركيزة أساسيَّة لأمن الطاقة العالمي، إذ تمتلك أكثر من (50%) من الاحتياطيَّات المؤكَّدة من النفط عالميًّا، إضافة إلى نَحْوِ (40%) من احتياطيَّات الغاز الطبيعي.. وبرز الغاز الطبيعي بوصفه أحد أكثر الموارد تنافسيَّة في المرحلة الراهنة وتتمتع المنطقة العربيَّة بموقع محوري في هذا السياق، سواء في شرق المتوسط حيثُ تتقاطع المصالح الإقليميَّة والدوليَّة، أو شمال إفريقيا كمصدر بديل للأسواق الأوروبيَّة، أو منطقة الخليج العربي الَّتي تُعَد من أكبر مراكز تصدير الغاز الطبيعي المسال عالميًّا.
وتشير التقديرات إلى أنَّ إنتاج الشرق الأوسط من الغاز مرشح للارتفاع بنَحْوِ (30%) بحلول عام 2030، ما يعزز من أهميَّة مشاريع البنية الأساسيَّة المرتبطة بالغاز، من خطوط نقل ومحطَّات إسالة، والَّتي باتتْ ملفات جيوسياسيَّة بامتياز تتداخل فيها الاستثمارات مع الحسابات الأمنيَّة والتحالفات الدوليَّة.
ومع التحوُّل نَحْوَ الاقتصاد الأخضر وثورة التكنولوجيا، تصاعد الطلب العالمي على المعادن النادرة والحرجة، إذ تشير التقديرات الدوليَّة إلى أنَّ الطلب على معادن مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل قد يتضاعف مرتين إلى ثلاث مرَّات بحلول 2040.. ورغم أنَّ العالم العربي لا يُعَد لاعبًا رئيسًا بعد في هذا المجال، إلَّا أنَّ بعض الدول العربيَّة تمتلك مخزونات واعدة من المعادن، يضاف إلى ذلك الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمنطقة، الَّذي يجعلها حلقة وصل محوريَّة في سلاسل الإمداد العالميَّة. كما تقع العديد من الدول العربيَّة على مفاصل بحريَّة تمرُّ عَبْرَها أكثر من (20%) من حركة التجارة العالميَّة، إلى جانب الكابلات البحريَّة للألياف البصريَّة، ما يضفي بُعدًا رقميًّا واستراتيجيًّا إضافيًّا على التنافس الدولي في المنطقة.
تعتمد القوى الكبرى في تنافسها داخل المنطقة العربيَّة على مزيج من الأدوات، تشمل الاستثمارات طويلة الأمد في الطاقة والبنية الأساسيَّة، الشراكات الاستراتيجيَّة ونقل التكنولوجيا، الاتفاقيَّات التجاريَّة والتمويليَّة، وتوظيف الشركات متعدِّدة الجنسيَّات كأدوات نفوذ غير مباشر.
رغم ما يحمله هذا التنافس من مؤشِّرات على صراعات محتملة، فإنَّ المنطقة العربيَّة تقف في المقابل أمام فرص استراتيجيَّة حقيقيَّة تشمل توظيف الموارد في التحوُّل الاقتصادي، وتنويع القاعدة الإنتاجيَّة، وبناء صناعات ذات قِيمة مضافة، وتنويع الشركاء الدوليين ضمن شراكات متوازنة.
هيثم العايدي
كاتب صحفي مصري