«إلى الأمام، إلى الخلف، خلفًا، أمامًا في خضم ذلك البحر غير المحدود، نتأرجح بَيْنَ مدٍّ وجزْرٍ أعظم مما يُمكِن أن تفقه وأفقه». اللورد الفريد تينيسون
رُبَّما لم تكُنْ مفارقات عالم الشرق الأوسط أكثر كشفًا لمكنونها الرجوعي المأساوي من التاريخ القصير لمدينة «الثورة»، وهي من مُدن ضواحي بغداد المتعددة. تضخمت هذه المنطقة السكنيَّة بسرعة درجة صيرورتها مدينة مستقلَّة بذاتها، علمًا أنَّ تاريخها يُشكِّل مفرقًا من تاريخ العراق بأسْره بسبب تأثيرها على بغداد. بدأ هذا التجمع السكني، جيبًا نائيًا، اتَّخذه الفلاحون الهاربون من أراضي وظلم الإقطاعيين مستقرًّا عشوائيًّا لهم. وقد جسَّد هذا «التورم» نصف الحضري ونصف الريفي العشوائي القصة المأساويَّة لآلاف الفلاحين وعوائلهم الَّذين استقروا أولًا في البريَّة المفتوحة خارج بغداد أواسط القرن العشرين. وكما فعل أجدادهم السومريون والأكاديون، راح هؤلاء الفلاحون المتمردون يبنون فضاءات سكن متواضعة من الطين المجفف أو المشوي لحماية أنفسهم من التقلبات الحادَّة في درجات الحرارة بَيْنَ الساخنة والباردة، الَّتي اشتهر بها مناخ العراق. استقرَّت النسوة في هذه «المساكن» الأمينة افتراضيًّا للطهي والعناية بالأطفال ولتربية بعض الحيوانات المدجنة الَّتي يحتفظون بها لغذائهم وللتسويق. أمَّا الرجال، شيوخًا وشبانًا، فقد كانوا يتجشمون عناء «الارتحال» إلى مركز بغداد، ذي الكثافة السكانيَّة العالية، للكدح، حمَّالين أو عمَّالًا أو عمَّال حدائق أو موزِّعين للحليب ومشتقاته أو باعة شاي، من بَيْنِ سواها من الأشغال الَّتي لا تتطلب سوى قوَّة العمل.
عندما سقط النظام الملكي الهاشمي (14 يوليو ـ تموز 1958) في العراق بثورة كانت قدحتها الأولى انقلابًا عسكريًّا سيطر على مقاليد الأمور بعد أن قام ضابط عصابي (برتبة رائد) برمي العائلة المالكة، المتوجِّهة إليه حاملة القرآن للاستسلام ببندقيَّة آليَّة (أوتوماتيكيَّة) صباح ذلك اليوم الدموي، إذ دشن تاريخ العراق الحديث فصلًا جديدًا، متتبعًا خُطى الضباط الأحرار في مصر. وقد أعلن القائد العسكري الجديد، الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، أنَّ الثورة قد خططت ونفّذت من قِبل خليَّة من «الضباط الأحرار» لتحرير العراق من الهيمنة البريطانيَّة الَّتي كانت قد بدأت قَبل نصف قرن من التاريخ أعلاه، تلك الهيمنة الَّتي تعاونت ونسّقت مع العائلة الهاشميَّة الَّتي أُبيدت الآن. وهكذا، فقد حلفاء العائلة المالكة البرجوازيون، خصوصًا ملاكي الأراضي الكبيرة والتجار الحضريين امتيازاتهم. كان من المفترض أن ينهي هذا التغير ملكيَّات الأراضي الزراعيَّة الكبيرة (الَّتي سمّيت بالإقطاع، خطأ) لأنَّ الأراضي الَّتي صودرت من الملاكين قسمت ثم وزعت على الفلاحين الفقراء. وإذا كان هذا الإجراء هو الَّذي أطلق عليه قانون «الإصلاح الزراعي»، أي القانون الَّذي تمَّت بموجبه مصادرة وتجزئة الأراضي الخصبة لتوزيعها على الفلاحين، فإنَّ هذا التغيير كان وراء خلق قِيَم اجتماعيَّة جديدة عدَّت الفلاحين الفارين من كدحهم تحت نير الإقطاع قَبل «الثورة»، نوعًا من الكادحين المكافحين الَّذين يستحقون التقدير لرفضهم «الثوري» الانصياع لسُلطة الإقطاع.
من هنا جاء اسم «الثورة» الَّذي أطلق على تلك المنطقة السكنيَّة العشوائيَّة الَّتي راحت تمتد خارج بغداد حيثُ لجأ الفلاحون وعوائلهم واستقروا في بداية الأمر. هكذا اعترف «النظام الثوري» الجديد بهذا التجمع السكاني ومنحه الشرعيَّة. والحق، فقد قدّر لمستعمرة الطين الَّتي بناها الفارون من ظلم الإقطاع أن تؤدي دَوْرًا تشكيليًّا في المُجتمع والاقتصاد ثم في أحوال العراق عامَّة، ليس فقط لأنَّها منجم معطاء لقوَّة العمل الرخيصة، ولكن كذلك لأنَّها كتلة سكانيَّة كبيرة يُمكِن أن تمتطي سياسة بغداد بعد أن بقيت تتوسع، جغرافيًّا وسكانيًّا لعقود.
لو واصل المرء استعراض تاريخ هذه المدينة العشوائيَّة، فإنَّه لا بُدَّ أن يلاحظ تقلُّبات أسماء هذه المدينة، وهي الأسماء الَّتي عكست متغيرات تاريخ العراق السياسي المعاصر، أي التاريخ الَّذي اختزل الطبيعة المتقلبة لِمَا سمِّي «بالنهضة» في الشرق الأوسط. أطلق اسم مدينة «الثورة» على مستعمرة الطين هذه في البداية، بوصفها من نتاجات التمرد ضد الملَّاك الَّذين ضعف تأثيرهم ثم انتهى جزئيًّا بفعل ثورة 14 يوليو ـ تموز 1958 المشار إليها أعلاه. بعد عقود، ومع «اكتشاف» الرئيس السابق صدام حسين، أهميَّة هذه المدينة، منجمًا وموّلدًا لأنشطة تمرد واحتجاج هائلة بعد حرب الخليج الأولى بَيْنَ العراق وإيران، فإنَّه أمَر بحملة إعمار شاملة لتهدئة سكانها ولمغازلة عواطفهم الدينيَّة، مانحًا المدينة اسمًا جديدًا، هو اسمه الشخصي. وهكذا ظهرت المدينة من جديد بعنوان «مدينة صدام» بدعوى أنَّه الاسم الَّذي انتقاه سكانها لمدينتهم (حوالي مليونَي نسمة آنذاك). وبعد مرور عدد من السنوات، ومع الغزو الأميركي للعراق (2003)، أطلق سكان هذه المدينة العنان لمعاناتهم وشكواهم وعواطفهم الدينيَّة ضد ضغط نظام صدام على حركاتهم السياسيَّة من خلال اختيار اسم جديد للمدينة، اسم يتناغم مع طباع سكانها المتقلبي الأهواء والولاءات. وهكذا قدّمت هذه المدينة الفقيرة نفسها من جديد باسم «مدينة الصدر»، تيمنًا برجُل دِين شيعي كان قد اغتيل مع اثنين من أبنائه في مدينة النجف الأشرف.
كيف يُمكِن لتاريخ هذه المدينة القصير أن يُشكِّلَ توازيًا طريفًا للتطور الملتوي لِمَا يُسمَّى بـ»النهضة العربيَّة الإسلاميَّة» الَّتي كانت قد بدأت قَبل عدَّة عقود بوصفها «يقظة» مفاجئة مستوحاة من أفكار وكتابات عدد من المفكرين. يتواصل التوازي حيثُ تدهورت آمال النهضة لتستقرَّ على الاقتناع بالاستقلال السياسي الَّذي دفع، في نهاية المطاف، شعوب الإقليم نَحْوَ متاهة ما يُسمَّى بالحركات «الأصوليَّة» الرجوعيَّة، وهي الحركات الَّتي أوصدت جميع أبواب تفحص الحاضر واستشراف المستقبل وفْقَ منظور تقدُّمي. ومثَّلت تشكيلًا آخر الَّذي استحوذ على الإسلاميين الجُدد منذ أن بدأوا بتسييس الإسلام (بدعوى التجديد) على نَحْوِ أحزاب وجماعات. أشرت تلك الحركات نمطًا من الحركات الإسلاميَّة الجذريَّة الجديدة الَّتي مهَّدت الطريق لظهور المنظَّمات المسلَّحة ولتبرير عدائيَّتها وكراهيَّتها للحضارة الغربيَّة وللشعوب الَّتي لا توافق أفكارها. وللمرء أن يراجع كتابي الصادر في بيروت، 2014 (تخنيث الغرب: مفاهيم الإسلام الجديد في التجديد والجهاد والدولة) للاطلاع على المزيد عن أصول وطبيعة الحركات الإسلاميَّة الراديكاليَّة الجديدة Neo-Islam.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي