كثير مَن يفضلون قراءة الروايات لما يجدون فيها من مساحة رحبة للسفر الخيالي إلى عوالم القصص والحكايات واستكشاف دهاليز المعرفة، وتقمص مواقف ترتبط بحياة شخوص نلمسها في أغلب الأحيان في الحياة الواقعية، يتجسد هذا كله في حبكات يُصوغها الروائي لتحاكي أدمغة القراء بقالب أدبي فذ. وقد يعد البعض الرواية مدخلًا لتناول موضوعات اجتماعية أو سياسية أو أي مجال آخر بطرق رمزية تحاور المتلقي وكأن ما بها من أحداث تلامس هواجسه ومشاعره، محور حديثا هنا عن عالم النفس الأميركي المعاصر (إيرفين يالوم) الذي أبدع في كتابة الكثير من الكتب، ومن بينها الروايات التي تشرئب بجوانب علم النفس وتتعمق في تفاصيله، حيث أبدع في توظيف إمكاناته في الكتابة لخدمة تخصصه بروح الأدب القريب من القارئ، إنَّ إيرفن يالوم ليس طبيبًا نفسيًّا تقليدًا، بل أثَّر بشكل كبير - بشهادة المختصين في مجاله - أيما تأثير في علم النفس وكان محل شغفه وعشقه الأبدي، وأسهم في نقل هذا العلم إلى آفاق التذوق الأدبي الممتزج بروح العلم المهني، والمطلع على نتاجه الأدبي الفكري يجد أنه يخاطب الأرواح قبل العقول ويعطي الصورة الواضحة والمؤثرة للإنسان ككينونة متفردة؛ قد يصعب على الكثير من أترابه نقلها بقوالب شيقة تناسب فئات المجتمع ككل، وقدم كل ذلك بعيدًا عن نظريات التحليل العادية الجافة التي تُسرد عن علم النفس. ولعلّ روايته الأكثر انتشارًا بين الروايات العالمية (عندما بكى نيتشه) والتي من خلالها وضع يالوم الفلسفة في أريكة العلاج النفسي في تصور آسر بين فكر وعقلية نيتشه العظيم وبين يأسه واضمحلال شغفه في الحياة، وكذا هي الروايات التي سطَّرها قلم وخيال يالوم بين دراسة واقع الإنسان وسلامته النفسية والذهنية التي تناولها بسرد جذّاب وصُف بأنه أروع ما كتب في علم النفس الأدبي.. نذكر مثلًا رواياته (علاج شوبنهاور، مشكلة سبينوزا، جلّاد الحب وقصص نفسية أخرى).
كما أنَّ نتاجاته العلمية في مجال تخصصه الرئيس كان لها دور في الاستفادة منها لكل من له علاقة بها العلم الواسع، وقد أسس يالوم نظرية علم النفس الوجودي وشرحها في العديد من كتبه العلمية التي زخرت بها المكتبة النفسية التخصصية.
إنَّ تسليط الضوء على مثل هذه القامات العلمية وعرضها للاستفادة منها غرضه الالتفات المستحق للنتاج الأدبي والعلمي المركون وغير المعروف في بعض الأحيان، وهي دعوة للأخذ من هذا المنهل الأدبي الفذ.
علي بن جميل النعماني
كاتب عماني