كتب ـ عبدالله الشريقي:
ناقش «منتدى وجوائز عُمان للمسؤولية الاجتماعية للشركات» في نسخته الثانية الانتقال بالمسؤولية الاجتماعية من مبادرات إلى منظومة وطنية متكاملة تقوم على الحوكمة وقياس الأثر وتعظيم العائد الاجتماعي والاقتصادي ما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، ويعزّز الشراكة بين مختلف القطاعات في خدمة أولويات التنمية الشاملة.
وأكد المنتدى الذي نظمته شركة المتحدة لخدمة وسائل الإعلام، أمس في فندق انترسيتي مسقط على أهمية تطوير منظومة المسؤولية الاجتماعية المؤسسية وتعزيز دورها كأداة داعمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة في سلطنة عُمان.
رعى افتتاح المنتدى معالي الدكتور محاد بن سعيد باعوين وزير العمل بحضور عدد من أصحاب المعالي والسعادة.
وأكد سعيد بن مسعود المعشني، نائب الرئيس التنفيذي للمتحدة لخدمة وسائل الإعلام، أن النسخة الثانية من منتدى وجوائز عُمان للمسؤولية الاجتماعية للشركات تأتي في مرحلة وطنية دقيقة تتطلب من المؤسسات والقطاعات المختلفة إعادة تعريف أدوارها، والانتقال بالمسؤولية الاجتماعية من المبادرات الجزئية والجهود الموسمية إلى منظومة وطنية مؤسسية مستدامة تقوم على الشراكة والتكامل وقياس الأثر. وأوضح أن المسؤولية الاجتماعية لم تعد مفهومًا تقليديًا يُختزل في التبرعات، بل أصبحت أداة استراتيجية لدعم السياسات الوطنية، وتعزيز جودة الحياة، وتمكين الإنسان، وبناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع، مشددًا على أهمية الحوكمة، وتوحيد الجهود، وتعظيم العائد الاجتماعي والاقتصادي من الاستثمارات المجتمعية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.
بدوره أكد مبارك بن خميس الحمداني، مدير المكتب الوطني لاستشراف المستقبل بوزارة الاقتصاد، أن المسؤولية الاجتماعية للشركات تشهد تحوّلًا جوهريًا على المستوى العالمي، لم تعد معه نشاطًا تكميليًا أو مبادرات طوعية، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من منظومة الحوكمة المؤسسية وإدارة المخاطر وتعظيم القيمة الاقتصادية. وأوضح أن التوجهات الدولية الحديثة تتجه نحو ربط المسؤولية الاجتماعية بالأداء المالي طويل الأمد، من خلال الانتقال إلى نماذج أكثر التزامًا تقوم على التشريعات والإفصاح وقياس الأثر، وربط الأداء الاجتماعي والبيئي بسلاسل القيمة والاستثمار.
وأشار إلى أن العالم يشهد تحولات تنظيمية متسارعة، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة، تفرض على الشركات إعادة تعريف دورها في المجتمع، وتعزيز الشفافية، ودمج الاستدامة في صميم نماذج الأعمال، مؤكدًا أن هذه التحولات تمثل فرصة حقيقية للشركات الوطنية لتطوير تنافسيتها، وتحسين كفاءة رأس المال، وتعزيز الثقة مع المستثمرين والمجتمع. كما شدد على أن مستقبل الاقتصاد سيُقاس بقدرة المؤسسات على تحويل الأثر الاجتماعي والبيئي إلى قيمة اقتصادية ملموسة، وبناء نماذج أعمال مرنة قادرة على التكيّف مع المتغيرات العالمية.
من جانبها قدمت ماجدة بنت شيخان المعمرية، مديرة مركز الاستثمار المستدام ببورصة مسقط، ورقة عمل استعرضت فيها مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات من منظور اقتصادي وتنموي، مؤكدة أن المسؤولية الاجتماعية لم تعد نشاطًا تكميليًا أو مبادرات خيرية قصيرة الأمد، بل أصبحت أداة استراتيجية داعمة لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة. مؤكدة أن الاستثمار الاجتماعي يسهم في تعظيم الأثر الإيجابي للمشاريع، من خلال الانتقال من التبرعات العشوائية إلى مبادرات تنموية قابلة للقياس، تحقق عائدًا اجتماعيًا واقتصاديًا طويل المدى. كما سلطت الضوء على أبرز التحديات التي تواجه منظومة المسؤولية الاجتماعية في سلطنة عُمان، وفي مقدمتها غياب سياسة وطنية موحدة، وتعدد الجهات الإشرافية، وتداخل المفاهيم بين المسؤولية الاجتماعية والاستثمار الاجتماعي، إلى جانب محدودية قياس الأثر المستدام.
وأكدت المعمرية أهمية تعزيز الحوكمة والإفصاح، وتوحيد المفاهيم والمعايير، وتبنّي منهجيات واضحة لقياس الأثر، مشيرة إلى الدور المحوري لبورصة مسقط في تشجيع الشركات المدرجة على تبنّي ممارسات الاستدامة والإفصاح وفق معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG).
وفي ورقة عمل استعرض الدكتور وليد بن خالد الراجحي، عميد عمادة التخطيط وإدارة الجودة بجامعة نزوى، تجربة الجامعة في ترسيخ منظومة متكاملة للمسؤولية الاجتماعية، مؤكدًا أن الجامعة انتقلت من تنفيذ مبادرات مجتمعية متفرقة إلى بناء هيكل مؤسسي مستدام يقوم على التخطيط الاستراتيجي، وتكامل الأدوار، وقياس الأثر. مسلطا الضوء على إسهامات الجامعة في خدمة المجتمع من خلال برامج الدعم الطلابي، وبناء المهارات خارج القاعات الدراسية، وتمكين الطلبة من الإبداع وريادة الأعمال، إلى جانب دورها في تعزيز فرص التوظيف، وتطوير الشراكات مع القطاعين العام والخاص.
وفي ورقة عمله، استعرض حمود بن محمد الشيذاني، رئيس مجلس إدارة الجمعية العُمانية للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، الدور المحوري الذي تضطلع به الجمعية في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، وتعزيز دمجهم في المجتمع، من خلال منظومة متكاملة من البرامج والمبادرات التي تشمل التأهيل، والتدريب، ونشر الوعي بلغة الإشارة، وتوفير المعينات السمعية والتقنيات المساندة.
واستعرضت آمنة بنت إبراهيم الشيزاوي، أخصائية التواصل المؤسسي بمؤسسة جسور، تجربة المؤسسة في بناء نموذج مؤسسي للمسؤولية الاجتماعية يقوم على الحوكمة والاستدامة، مؤكدة أن الانتقال من المبادرات الموسمية إلى برامج تنموية مستدامة يتطلب أطرًا واضحة للتنظيم والتخطيط وقياس الأثر. مؤكدة أن مؤسسة جسور تعمل على تمكين المجتمعات المحلية، خاصة في محافظة شمال الباطنة، من خلال مبادرات نوعية في مجالات التعليم والصحة والبيئة والرياضة وريادة الأعمال.
كما قدم المهندس أحمد بن محمد البلوشي، رئيس قسم البناء والصيانة بجمعية دار العطاء، ورقة عمل استعرض خلالها جهود الجمعية في تحويل العمل الخيري إلى منظومة تنموية مؤسسية، ترتكز على الاستدامة وتمكين الفئات المستحقة وتعظيم الأثر الاجتماعي للمبادرات. مشيرا إلى أن الجمعية تنفذ برامج متكاملة تشمل الإسكان والتعليم والدعم الاجتماعي والتمكين الاقتصادي، إلى جانب تبنّي أفضل الممارسات في الحوكمة والشفافية، بما يعزز ثقة الشركاء والداعمين ويجعل من العمل الخيري رافدًا أساسيًا للتنمية المجتمعية المستدامة.
وشهد المنتدى جلسة نقاشية موسعة بعنوان «المسؤولية الاجتماعية في سلطنة عُمان: من المبادرات إلى منظومة وطنية مستدامة»، ناقش خلالها المشاركون واقع المسؤولية الاجتماعية في سلطنة عمان، والتحديات المرتبطة بتوحيد الجهود وتحويل المبادرات الفردية إلى برامج مؤسسية مستدامة. وتناول النقاش أهمية الحوكمة وقياس الأثر وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى دور الشركات في تعظيم العائد الاجتماعي والاقتصادي لاستثماراتها المجتمعية.